
قدمت مراجعة علمية إطاراً نظرياً جديداً لفهم الطريقة التي تعيد بها خبرات الطفولة والمراهقة تشكيل الدماغ النامي، خصوصاً في عصر يكبر فيه الأطفال وسط تعرض كثيف للشاشات.
وتطرح المراجعة العلمية، المنشورة في دورية Brain Health، مفهوماً يحمل اسم “الكريتيكوم”، ويشير إلى السجل الكامل للخبرات الحسية والحركية والاجتماعية والثقافية والبيئية التي يدمجها الدماغ خلال فترات حرجة من اللدونة العصبية، تمتد من مرحلة ما قبل الولادة حتى نحو سن الخامسة والعشرين
ووفق الباحثين، فإن السؤال لم يعد مقتصراً على عدد الساعات التي يقضيها الطفل أمام الشاشة، بل على نوع الخبرات التي تدخل إلى دماغه في اللحظات التي يكون فيها أكثر قابلية للتشكل، وما إذا كانت هذه الخبرات قد تترك أثراً طويل المدى على الصحة النفسية، والنمو المعرفي.
الشاشات وآلية تشكل الدماغ
ويقول الباحثون إن الدماغ النامي لا يستقبل الخبرات كذكريات عابرة فقط، بل يدمج بعضها في بنيته العصبية ذاتها خلال نوافذ زمنية محددة.
خلال هذه الفترات، تكون الوصلات العصبية في حالة مرونة عالية، ما يسمح للخبرة بأن تصبح جزءاً من طريقة عمل الدماغ لاحقاً، فما يدخل في الوقت المناسب قد يصبح أساساً للغة، والحركة، والعلاقات الاجتماعية، وتنظيم الانفعال، وفهم العالم. أما ما لا يدخل، أو يدخل بصورة مضطربة، فقد لا يكون من السهل تعويضه لاحقاً بنفس الكفاءة.
لا يدعي الباحثون أنهم يعرفون بعد ماذا تصنع الطفولة المشبعة بالشاشات داخل أدمغة الأطفال؛ لكنهم يقولون إن المشكلة تحتاج إلى لغة علمية أدق من مجرد القلق العام من التكنولوجيا، ومن هنا يأتي مفهوم “الكريتيكوم” بوصفه إطاراً يسمح بتحويل السؤال إلى مشكلة بحثية قابلة للدراسة، لا مجرد جدل أخلاقي حول الشاشات.
مفهوم “الكريتيكوم”
يعيد مفهوم “الكريتيكوم” طرح سؤال الشاشات من زاوية أعمق من النقاش المعتاد حول عدد ساعات الاستخدام؛ فالمشكلة، وفق هذا الإطار، ليست فقط في الوقت الذي يقضيه الطفل أمام الشاشات، بل في طبيعة الخبرات التي يتلقاها دماغه خلال فترات يكون فيها شديد القابلية للتشكل. فالدماغ النامي لا يكتفي بتخزين ما يراه الطفل ويسمعه، بل يدمج بعض هذه الخبرات في بنيته العصبية وطريقة عمله لاحقاً.
يقصد بالكريتيكوم السجل الكامل للخبرات الحسية والحركية والاجتماعية والثقافية والبيئية التي يدمجها الدماغ خلال فترات حرجة من اللدونة العصبية، تمتد من مرحلة ما قبل الولادة حتى نحو سن الخامسة والعشرين.
وخلال هذه النوافذ، تتشكل الدوائر العصبية المسؤولة عن الانتباه، واللغة، والتفاعل الاجتماعي، وتنظيم الانفعالات، واتخاذ القرار. لذلك، فإن الخبرات المتكررة والمكثفة في هذه المرحلة قد تصبح جزءاً من طريقة الدماغ في فهم العالم والتعامل معه



