مقالات الرأي

التعذيب في السودان: صرخة الضحايا في زمن الحرب المنسية

محمد الأمين عبد النبي

يمثل السادس والعشرون من يونيو من كل عام محطة إنسانية وقانونية بالغة الأهمية؛ فهو اليوم الذي اعتمدته الأمم المتحدة يوماً عالمياً لمساندة ضحايا التعذيب. وتكتسب هذه الذكرى رمزيتها التاريخية من كونها اليوم الذي دخلت فيه «اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة» حيز النفاذ عام 1987. وهذا اليوم صرخة ضمير عالمية متجددة تهدف إلى إعلاء كرامة الإنسان، وتسليط الضوء على المعاناة المستمرة للضحايا، وتجديد الالتزام الدولي بملاحقة الجناة وإنهاء ثقافة الإفلات من العقاب.

لقد استقر القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني على أن حظر التعذيب يمثل قاعدة قانونية آمرة تلزم جميع الدول دون استثناء، ولا يجوز التحلل منها تحت أي ظرف كان، سواء في حالات الحرب أو الطوارئ أو عدم الاستقرار الداخلي. وينصهر هذا الحظر المطلق في صميم الوعي القانوني الدولي؛ إذ تؤكد مبادئ المفوضية السامية لحقوق الإنسان أن الممارسات المنهجية أو واسعة النطاق للتعذيب ترقى في خطورتها إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية، بما يستوجب تفعيل آليات العدالة الجنائية الدولية لمقاضاة مرتكبيها والمحرضين عليها.

إن الجريمة الكامنة في التعذيب لا تنتهي بانتهاء الفعل المادي أو بزوال آثاره الجسدية الظاهرة، بل هي اعتداء يستهدف تدمير الكينونة النفسية والإنسانية للضحية. فالتعذيب في جوهره يسعى إلى تجريد الإنسان من إرادته، وسحق كرامته، وإحلال الخوف والإنكار محل الشعور الفطري بالأمان. وتمتد هذه الآثار المدمرة لتلقي بظلالها القاتمة على أسر الضحايا ومجتمعاتهم، مما يجعل من التعذيب أداة لتمزيق النسيج الاجتماعي ونشر الترويع الجماعي، وهو ما يفرض على المجتمع الدولي صياغة مقاربات تتجاوز التعويض المادي إلى إعادة التأهيل النفسي والاجتماعي.

ولا تكتمل غاية إحياء هذا اليوم العالمي دون مراجعة حقيقية لمدى التزام المنظومة الدولية بإنفاذ العدالة. فالانتقال بالاتفاقيات الدولية من حيز النصوص النظرية إلى واقع الممارسة الفعلية يتطلب إرادة سياسية حازمة لكسر طوق الحصانات غير المشروعة وتفعيل مبدأ الاختصاص القضائي. إن الوفاء لضحايا التعذيب يفرض على الدول سن تشريعات وطنية صارمة تتسق مع تعريف الاتفاقية الأممية، وضمان فتح تحقيقات فورية ومستقلة في كل ادعاء، وتقديم الدعم اللازم للضحايا؛ فلا حصانة لجلاد، ولا تسقط جريمة التعذيب بالتقادم.

في السودان، تحول التعذيب عبر العقود إلى أداة ممنهجة للقمع والقهر السياسي، وبلغت هذه الفظائع ذروتها مع حرب أبريل 2023؛ إذ تحولت أجساد المدنيين إلى ساحة حرب بديلة، مارس فيها أطراف النزاع أبشع صنوف الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري والتنكيل النفسي والجسدي، مخلفين جروحاً غائرة في وجدان المجتمع. إن صمود الشعب السوداني في مواجهة هذه الأهوال، رغم النزوح والانتهاكات وما خلفته من دمار، يعيد صياغة مفهوم العدالة بوصفها ضرورة لا تقبل المساومة؛ فالناجون والضحايا لا يطلبون تضامناً لفظياً فحسب، بل يستحقون مساراً حاسماً يبدأ بكشف الحقيقة وجبر الضرر وإعادة التأهيل، وينتهي بإنفاذ المساءلة لكسر حلقة الإفلات من العقاب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى