مقالات الرأي

الصحافة والإعلام في عصر الذكاء الاصطناعي.. ولماذا يحتاج الإعلامي إلى مظلة مهنية دولية؟

بقلم: علي محمد العتبي رئيس الاتحاد الدولي للإعلاميين والصحفيين (UMJI)

لم تعد الصحافة في عصر الذكاء الاصطناعي تمارس بالأدوات والأساليب ذاتها التي عرفناها قبل سنوات قليلة نحن اليوم أمام مرحلة جديدة تتغير فيها طرق جمع المعلومات وتحليلها وصناعة المحتوى والتحقق من الأخبار والوصول إلى الجمهور في وقت أصبحت فيه تقنيات الذكاء الاصطناعي جزءاً متزايد الحضور داخل المؤسسات الإعلامية وغرف الأخبار

هذا التحول لا يعني نهاية دور الصحفي بل على العكس يعيد التأكيد على أهمية الصحفي المهني القادر على التحقق والتحليل والتمييز بين الحقيقة والمعلومة المضللة فالالة تستطيع أن تجمع وتلخص وتقترح لكنها لا ينبغي أن تكون بديلاً عن المسؤولية التحريرية والحكم المهني والالتزام بأخلاقيات الصحافة

الذكاء الاصطناعي أداة.. وليس رئيس تحرير

أولى الإرشادات التي ينبغي أن يضعها كل إعلامي أمامه هي أن الذكاء الاصطناعي وسيلة مساعدة وليس مصدراً نهائياً للحقيقة

يمكن لهذه التقنيات أن تساعد في تحليل كميات كبيرة من البيانات وترجمة المحتوى وتلخيص الوثائق واقتراح الأفكار وتنظيم المعلومات وتسريع بعض مراحل الإنتاج الصحفي لكن المسؤولية النهائية عن المادة المنشورة يجب أن تبقى مسؤولية بشرية ومهنية

ولهذا يجب على الصحفي التحقق من الأسماء والتواريخ والأرقام والمصادر والاقتباسات قبل النشر وعدم التعامل مع الإجابات التي تنتجها أنظمة الذكاء الاصطناعي باعتبارها حقائق مؤكدة دون مراجعة مستقلة

كما ينبغي الحذر بصورة خاصة من الصور ومقاطع الفيديو والتسجيلات والمحتوى الاصطناعي الذي يمكن أن يبدو حقيقياً بدرجة كبيرة لأن معركة الإعلام المقبلة لن تكون فقط في الوصول إلى الخبر وإنما في القدرة على إثبات أصالته

حماية المصادر والبيانات مسؤولية أساسية

من أخطر الأخطاء التي يمكن أن يرتكبها الصحفي إدخال معلومات سرية أو وثائق حساسة أو بيانات خاصة بمصادره إلى أدوات رقمية دون معرفة كيفية معالجة تلك البيانات وحفظها

سرية المصدر الصحفي ليست مسألة تقنية فقط بل إحدى ركائز العمل الصحفي المهني ولذلك يجب أن يسبق استخدام أي تقنية جديدة سؤال واضح: هل يمكن أن يؤدي استخدامها إلى كشف المصدر أو معلوماته أو وثائقه؟

إن التطور التكنولوجي يجب أن يعزز قدرة الصحفي على أداء رسالته لا أن يتحول إلى باب جديد يهدد خصوصية مصادره واستقلالية عمله

الصحفي الحقيقي سيصبح أكثر أهمية

في عالم يستطيع فيه أي شخص إنتاج نص أو صورة أو مقطع مصور خلال ثوان ستزداد قيمة الصحفي الذي يمتلك اسماً مهنيا موثوقا وسجلا واضحا ومصادر حقيقية وقدرة على الوصول إلى المعلومة والتحقق منها

السرعة وحدها لم تعد ميزة

الميزة الحقيقية أصبحت الثقة

ولهذا فإن صحفي المستقبل يحتاج إلى الجمع بين المهارات الصحفية التقليدية والمعرفة الرقمية: البحث والتحقق من المصادر فهم أدوات الذكاء الاصطناعي التحقق من المحتوى الرقمي حماية البيانات وإدراك الحدود الأخلاقية لاستخدام التكنولوجيا

حرية الصحافة تحتاج إلى تضامن مهني

التكنولوجيا ليست التحدي الوحيد الذي يواجه الصحفيين فحرية الصحافة وسلامة العاملين في الإعلام لا تزالان تواجهان ضغوطاً وتهديدات قانونية ومهنية وأمنية في مناطق مختلفة من العالم

وهنا تظهر أهمية وجود شبكات ومؤسسات مهنية قادرة على تعزيز التضامن والتواصل بين الإعلاميين

فالصحفي الذي يعمل بصورة منفردة قد تكون قدرته على بناء شبكة دولية محدودة بينما يتيح العمل ضمن إطار مهني منظم فرصا أوسع للتعارف وتبادل الخبرات والمشاركة في المؤتمرات والفعاليات والبرامج التدريبية وبناء الشراكات الإعلامية

لماذا الانضمام إلى كيان إعلامي دولي؟

الانضمام إلى كيان مهني دولي لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد بطاقة أو لقب يضاف إلى السيرة الذاتية

القيمة الحقيقية تكمن في الشبكة المهنية التي يقف خلفها هذا الانتماء

الإعلام الحديث أصبح عابراً للحدود والصحفي قد يجد نفسه اليوم يغطي حدثا محليا وغدا يحتاج إلى التواصل مع مؤسسة أو إعلامي أو مؤتمر في دولة أخرى

وجود شبكة دولية يمكن أن يساعد الإعلامي في بناء العلاقات المهنية والوصول إلى فرص المشاركة والتدريب والتعاون وتبادل الخبرات وأن يمنحه حضورا أوسع داخل المجتمع الإعلامي الدولي

وماذا عن حرية التنقل؟

من المهم هنا التفريق بين حرية الحركة المهنية وبين الحق القانوني في دخول الدول

العضوية في أي اتحاد أو منظمة إعلامية بحد ذاتها لا تمنح حاملها حق دخول دولة أخرى ولا تعفيه تلقائياً من التأشيرة أو إجراءات الهجرة والحدود فهذه مسائل تخضع حصراً للقوانين والسلطات المختصة في كل دولة

لكن الانتماء إلى شبكة إعلامية دولية فاعلة يمكن أن يسهم في توسيع نطاق الحركة المهنية من خلال الدعوات إلى المؤتمرات والملتقيات والفعاليات الإعلامية وبناء العلاقات والتعاون مع المؤسسات والزملاء في دول مختلفة وفق الأنظمة القانونية المعمول بها

ومن هنا فإن مفهوم حرية التنقل بالنسبة للإعلامي يجب أن يكون قائماً على توسيع الفرص المهنية الدولية بصورة قانونية ومنظمة وليس على اعتبار البطاقة المهنية بديلاً عن التأشيرة أو التصاريح الرسمية

الاتحاد الدولي للإعلاميين والصحفيين UMJI.. نحو شبكة إعلامية بلا حدود مهنية

من هذا المنطلق تأتي أهمية بناء كيانات إعلامية دولية تجمع الصحفيين والإعلاميين وأصحاب الخبرات المهنية ضمن شبكة تتجاوز الحدود الجغرافية وتحول العضوية من مجرد صفة إلى مساحة للتعاون والتعارف وتبادل المعرفة

وفي الاتحاد الدولي للإعلاميين والصحفيين (UMJI) نؤمن بأن الإعلامي يحتاج اليوم إلى شبكة علاقات بقدر حاجته إلى المهارة وإلى المعرفة الرقمية بقدر حاجته إلى أدوات الصحافة التقليدية

هدفنا أن يكون الإعلامي جزءاً من مجتمع مهني دولي يستطيع من خلاله تطوير خبراته والتواصل مع زملائه والمشاركة في المبادرات والفعاليات وتعزيز قيم الإعلام المهني والمستقل وحرية التعبير

المستقبل لمن يجمع بين التكنولوجيا والمهنية

عصر الذكاء الاصطناعي لن ينتظر أحداً

ومن يرفض التكنولوجيا بالكامل قد يجد نفسه بعيداً عن تطورات المهنة ومن يعتمد عليها بالكامل قد يفقد أهم ما يميز الصحفي: العقل النقدي والمسؤولية والثقة

المعادلة الصحيحة هي أن نتعلم استخدام الذكاء الاصطناعي دون أن نسلمه قرارنا المهني وأن نستفيد من التكنولوجيا دون أن نتخلى عن أخلاقيات الصحافة وأن نبني شبكات دولية قوية دون أن نفقد استقلاليتنا

فالصحافة في المستقبل لن تقاس فقط بسرعة نشر الخبر وأنما بقدرة الصحفي على إثبات أن ما ينشره حقيقي موثوق مستقل ومسؤول

وفي عالم تتسارع فيه التكنولوجيا وتتراجع فيه الحدود الرقمية أصبح من الضروري أن يكون للإعلامي حضور يتجاوز محيطه المحلي وأن يكون جزءاً من شبكة مهنية دولية تفتح أمامه آفاق المعرفة والتعاون والحضور العالمي

فالذكاء الاصطناعي يستطيع صناعة المحتوى لكنه لا يستطيع أن يصنع وحده صحفيا حراً ومسؤولاً

بقلم: علي محمد العتبي
رئيس الاتحاد الدولي للإعلاميين والصحفيين (UMJI)

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى