شهدت المنطقة العربية خلال العقود الأخيرة تحولات سياسية وأمنية واقتصادية متسارعة، جعلتها محوراً رئيسياً للتنافس بين القوى الدولية الكبرى. وفي هذا السياق، برز الدور الروسي بوصفه أحد أهم الأطراف المؤثرة في الشرق الأوسط، خصوصاً بعد تراجع نسبي للدور السوفيتي عقب انهيار الاتحاد السوفيتي، ثم عودة موسكو بقوة إلى الساحة العربية خلال عهد الرئيس فلاديمير بوتين.
لا تقوم السياسة الروسية في المنطقة العربية على عامل واحد، بل تستند إلى مجموعة من المصالح الاستراتيجية، من بينها تعزيز النفوذ السياسي، والحفاظ على الحضور العسكري، وتوسيع العلاقات الاقتصادية، وفتح أسواق جديدة أمام الشركات الروسية، فضلاً عن منافسة النفوذ الأمريكي والغربي.
سوريا بوابة النفوذ الروسي
تُعد سوريا المثال الأبرز على عودة روسيا إلى المنطقة العربية. فمنذ تدخلها العسكري المباشر في الحرب السورية عام 2015، أصبحت موسكو لاعباً أساسياً في الملف السوري، مستفيدة من علاقاتها التاريخية مع دمشق ومن وجودها العسكري في قاعدة حميميم الجوية وطرطوس البحرية.
وقد منح التدخل الروسي موسكو قدرة أكبر على التأثير في مسار الأحداث السياسية والعسكرية في سوريا، كما ساعدها على تعزيز موقعها التفاوضي مع أطراف إقليمية ودولية مختلفة. وأصبحت سوريا بالنسبة إلى روسيا أكثر من مجرد حليف؛ فهي تمثل موقعاً استراتيجياً مهماً للوصول إلى شرق المتوسط وتعزيز الحضور الروسي في المنطقة.
العلاقات الروسية مع دول الخليج
لم يقتصر الحضور الروسي على الدول التي ترتبط بها موسكو بعلاقات تاريخية، بل سعت روسيا إلى تطوير علاقاتها مع دول الخليج العربي، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر.
ويظهر التعاون الروسي الخليجي بصورة واضحة في مجال الطاقة، ولا سيما من خلال التنسيق داخل إطار “أوبك+”، حيث أصبح التعاون بين روسيا والدول المنتجة للنفط عاملاً مؤثراً في أسواق الطاقة العالمية.
كما حرصت موسكو على بناء علاقات سياسية واقتصادية متوازنة مع أطراف خليجية مختلفة، مستفيدة من رغبة بعض الدول العربية في تنويع شراكاتها الدولية وعدم الاعتماد على قوة عالمية واحدة.
النفوذ الروسي في ليبيا
تمثل ليبيا ساحة أخرى حاولت روسيا من خلالها تعزيز نفوذها في شمال أفريقيا والبحر المتوسط. وقد ارتبط الحضور الروسي في ليبيا بالجانب السياسي والعسكري، إضافة إلى المصالح الاقتصادية المتعلقة بالطاقة وإعادة الإعمار.
وتكمن أهمية ليبيا بالنسبة إلى موسكو في موقعها الجغرافي القريب من أوروبا، وفي كونها دولة غنية بالطاقة وتمتلك موقعاً استراتيجياً على البحر المتوسط. ولذلك فإن النفوذ الروسي في ليبيا يرتبط بحسابات أوسع تتجاوز حدود الصراع الليبي الداخلي.
العلاقات مع مصر والجزائر والعراق
تسعى روسيا كذلك إلى الحفاظ على علاقات قوية مع عدد من الدول العربية الكبرى، مثل مصر والجزائر والعراق. وتتنوع هذه العلاقات بين التعاون العسكري والطاقة والتجارة والاستثمار والتنسيق السياسي.
وتُعد مصر من أبرز الشركاء العرب لروسيا، إذ شهدت العلاقات بين البلدين تطوراً ملحوظاً في مجالات متعددة، من بينها الطاقة النووية والتجارة والسياحة والتعاون السياسي.
أما الجزائر، فتحتفظ بعلاقات دفاعية وعسكرية قوية مع موسكو، وتُعد من أهم شركاء روسيا في شمال أفريقيا.
وفي العراق، حافظت روسيا على علاقات اقتصادية وسياسية مهمة، خصوصاً في قطاع الطاقة، حيث لعبت الشركات الروسية دوراً في عدد من المشاريع النفطية، إلى جانب استمرار الاتصالات السياسية بين البلدين.
الطاقة كأداة للنفوذ
تُعد الطاقة من أهم أدوات القوة الروسية في المنطقة العربية. فروسيا دولة كبرى في إنتاج النفط والغاز، ولذلك فإن علاقاتها مع الدول العربية المنتجة للطاقة تمنحها مجالاً واسعاً للتنسيق والتأثير في أسواق النفط العالمية.
ويُظهر التعاون ضمن “أوبك+” أن المصالح الاقتصادية يمكن أن تتحول إلى وسيلة لبناء علاقات سياسية أكثر عمقاً، خصوصاً عندما تتقاطع مصالح المنتجين في الحفاظ على استقرار الأسواق والأسعار.
البعد العسكري والأمني
يمثل التعاون العسكري أحد أهم عناصر الحضور الروسي في العالم العربي. فقد حافظت موسكو على علاقات دفاعية مع عدد من الدول العربية، وصدّرت الأسلحة والمعدات العسكرية إلى أسواق المنطقة.
ولا تقتصر أهمية صفقات السلاح على الجانب الاقتصادي، إذ يمكن أن تؤدي إلى علاقات طويلة الأمد من خلال التدريب والصيانة وتبادل الخبرات، وهو ما يمنح الدولة المصدرة للسلاح درجة إضافية من النفوذ السياسي والاستراتيجي.
روسيا ومنافسة النفوذ الغربي
يأتي جزء مهم من السياسة الروسية في المنطقة في إطار المنافسة الدولية مع الولايات المتحدة والدول الغربية. وتسعى موسكو إلى تقديم نفسها كشريك قادر على التعامل مع مختلف الأطراف، دون اشتراط تبني نموذج سياسي أو أيديولوجي واحد
بقلم : الدكتور محمد الحديثي



