مقالات الرأي

من يملك الحقيقة في زمن يستطيع فيه الجميع صناعة الخبر؟

بقلم: د. علي محمد العتبي رئيس الاتحاد الدولي للإعلاميين والصحفيين UMJI

لم يعد السؤال اليوم: من ينشر الخبر؟
بل أصبح السؤال الأكثر خطورة: من يملك الحقيقة؟

نحن نعيش في عصر تغيرت فيه قواعد الإعلام بصورة غير مسبوقة هاتف صغير في يد أي شخص أصبح قادرا على التصوير والنشر والوصول إلى آلاف وربما ملايين الأشخاص خلال دقائق لم تعد صناعة المحتوى حكرا على المؤسسات الإعلامية ولم يعد الصحفي وحده من ينقل الأحداث إلى الجمهور

وهنا تبدأ المشكلة

عندما تسبق السرعة الحقيقة

في العالم الرقمي قد تنتشر المعلومة الكاذبة في دقائق بينما تحتاج الحقيقة إلى ساعات أو أيام حتى تثبت نفسها

صورة قديمة يمكن إعادة نشرها على أنها التقطت اليوم ومقطع فيديو يمكن اقتطاعه من سياقه وعنوان مثير قد يحول تصريحا عاديا إلى أزمة ومعلومة مجهولة المصدر قد تصبح حديث الملايين لمجرد أن شخصًا مشهورا أعاد نشرها

وهكذا أصبحت السرعة منافسًا خطيرا للدقة

لكن الصحافة الحقيقية لا تقاس بمن وصل أولا فقط وإنما بمن وصل إلى الجمهور بمعلومة صحيحة ومسؤولة وموثقة

الذكاء الاصطناعي غير المعادلة

ومع التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي دخل الإعلام مرحلة أكثر تعقيدا

أصبح من الممكن إنتاج نصوص وصور وأصوات ومقاطع مرئية تبدو للوهلة الأولى حقيقية بدرجة كبيرة وهذا التطور يحمل فرصا هائلة للإعلام لكنه في الوقت نفسه يضع المصداقية أمام اختبار تاريخي

فماذا سيحدث عندما يشاهد الجمهور مقطعا ولا يعرف إن كان حقيقيا أم مصنوعا؟

وماذا سيحدث عندما يصبح تقليد صوت شخصية عامة أو صناعة صورة لحدث لم يقع امراً متاحاً بسهولة؟

هنا لن تكون قيمة الصحفي في امتلاكه أدوات النشر فقط بل في قدرته على التحقق والتمييز وحماية الحقيقة من التزييف

المشاهدات لا تصنع صحفياً

هناك فارق كبير بين أن تكون قادرا على صناعة محتوى يجذب الانتباه وبين أن تتحمل مسؤولية إعلامية أمام المجتمع

قد يحقق شخص ملايين المشاهدات بعنوان مثير ولكن عدد المشاهدات لا يمنح المعلومة صحتها

وقد يمتلك آخر ملايين المتابعين ولكن كثرة المتابعين لا تعني أن كل ما ينشره أصبح خبرا موثوقا

الإعلام مسؤولية قبل أن يكون شهرة والصحافة التزام مهني قبل أن تكون بطاقة تعريف أو منصبا أو حضورا على منصات التواصل الاجتماعي

الجمهور ايضا شريك في حماية الحقيقة

المسؤولية لا تقع على الصحفيين والمؤسسات الإعلامية وحدهم

كل شخص يضغط زر «مشاركة» أصبح جزءا من دورة انتشار المعلومة

لذلك علينا أن نبني ثقافة جديدة لدى الجمهور تقوم على سؤال بسيط قبل مشاركة أي خبر:

من المصدر؟

هل المعلومة منشورة من جهة معروفة؟ هل يوجد دليل؟ هل نقلتها مصادر أخرى مستقلة؟ هل الصورة مرتبطة فعلًا بالحدث؟ وهل العنوان يعكس مضمون الخبر أم صمم فقط لجذب النقرات؟

هذه الأسئلة البسيطة قد تمنع شائعة من الوصول إلى آلاف الأشخاص

نحن أمام معركة ثقة

المعركة القادمة في الإعلام لن تكون فقط على عدد المتابعين أو سرعة الوصول أو حجم المشاهدات

ستكون المعركة الحقيقية على الثقة

من يستطيع المحافظة على ثقة الجمهور سيكون الأكثر تاثيراً ومن يفرط في المصداقية من أجل انتشار مؤقت قد يخسر شيئا يصعب استعادته

ولهذا يحتاج الإعلامي والصحفي وصانع المحتوى الرقمي اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى الالتزام بالمعايير المهنية والتطوير المستمر وفهم التقنيات الحديثة ومعرفة حدود المسؤولية القانونية والأخلاقية لما ينشره

ومن هنا تاتي أهمية وجود مؤسسات وكيانات مهنية تعمل على تعزيز ثقافة المسؤولية والتطوير المهني والتعاون بين العاملين في الإعلام والصحافة وصناعة المحتوى بما يواكب التحولات الرقمية المتسارعة

الحقيقة هي رأس مال الإعلام

يمكن للتكنولوجيا أن تغير شكل الصحيفة ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يغير طريقة إنتاج المحتوى ويمكن لمنصات جديدة أن تظهر وتختفي لكن هناك شيئا واحداً إذا فقده الإعلام فقد جوهره كله:

المصداقية

قد تحصل الشائعة على مليون مشاهدة وقد يتصدر الخبر الكاذب منصات التواصل لساعات ولكن الصحافة التي تستحق البقاء هي الصحافة التي تستطيع أن تقول للجمهور:

تحققنا قبل أن ننشر

وفي زمن يستطيع فيه الجميع صناعة الخبر لن يكون الصحفي الحقيقي هو الأكثر صخبا بل سيكون الأكثر قدرة على حماية الحقيقة

د. علي محمد العتبي
رئيس الاتحاد الدولي للإعلاميين والصحفيين UMJI

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى