
وتأتي هذه التطورات في وقت تستعد فيه البلاد لانتخاب برلمان جديد بموجب الدستور الذي أُقر خلال استفتاء مارس الماضي، والذي تقول السلطات إنه يمثل تحولاً في بنية الدولة، بينما يرى منتقدون أنه يعزز نفوذ الرئيس قاسم جومارت توكاييف.
وخلال الأسابيع الماضية، تعرض عدد من أبرز الصحفيين المستقلين لإجراءات قانونية مشددة، شملت أحكاماً بالسجن وقيوداً على ممارسة العمل الإعلامي واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي والمشاركة في الفعاليات العامة.
وحذرت منظمات محلية ودولية معنية بحرية الإعلام من أن هذه الإجراءات لا تمثل حالات منفصلة، وإنما تأتي ضمن نمط مستمر من التضييق على الأصوات المنتقدة للسلطات.
ملاحقات جنائية ضد صحفيين بارزين
من أبرز القضايا الأخيرة الحكم الصادر بحق غولنارا بازكينوفا، رئيسة التحرير السابقة لمنصة “أوردا” الإعلامية المستقلة، بالسجن ثماني سنوات على خلفية اتهامات من بينها نشر معلومات كاذبة عمداً.
ورغم تأجيل تنفيذ العقوبة لمدة عامين بسبب وجود طفل قاصر لديها، فرضت المحكمة عليها حظراً واسعاً يشمل ممارسة الصحافة والتدوين والعمل الإعلامي والمشاركة في الفعاليات العامة.
وجاءت ملاحقتها بعد فترة من نشر تقارير تناولت مزاعم فساد وعلاقات بمقتل مدون معارض، ما دفع صحفيين وناشطين إلى طرح تساؤلات بشأن وجود دوافع سياسية وراء القضية.
وفي قضية أخرى، صدرت أحكام بحق أسيت ماتاييف، مدير وكالة الأنباء المستقلة KazTAG، ورئيس تحريرها أمير كاسينوف، على خلفية تقارير مرتبطة بشركة خدمات مالية بارزة.
وتضمنت الأحكام قيوداً على ممارسة العمل الصحفي لسنوات، إلى جانب منع استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والظهور الإعلامي والمشاركة في المؤتمرات والفعاليات العامة.
كما أوقف الصحفي أزامات عمروف بعد بث حلقة ساخرة انتقد خلالها سياسات الحكومة وحكماً للمحكمة الدستورية يتعلق بمستقبل الرئيس توكاييف السياسي، حيث وُجهت إليه اتهامات بالتحريض على “الفتنة الاجتماعية والطبقية”، بينما أكد عمروف أن ما يقدمه يندرج في إطار السخرية السياسية.
الحظر المهني يثير مخاوف حقوقية
وتثير العقوبات التي تمنع الصحفيين من ممارسة مهنتهم لسنوات قلقاً متزايداً لدى منظمات الدفاع عن حرية التعبير، التي تعتبر أن هذه الإجراءات لا تستهدف الأفراد فقط، وإنما تؤثر مباشرة في قدرة المجتمع على الوصول إلى معلومات مستقلة.
كما صدرت أحكام بحق الصحفية ألكسندرا أليوخوفا والصحفي أوليغ غوسيف في قضايا تتعلق بنشر بيانات شخصية، وتضمنت العقوبات منعاً من ممارسة الصحافة والأنشطة العامة لعدة سنوات.
وترى منظمات حقوقية محلية أن الاستخدام الواسع والمتكرر للحظر المهني يشكل تحولاً خطيراً، لأنه قد يؤدي فعلياً إلى إخراج الصحفي من المجال العام وحرمانه من مواصلة عمله.
شكاوى حقوق نشر تستهدف المحتوى الرقمي
ولم يقتصر الضغط على الملاحقات القضائية، بل امتد إلى المنصات الرقمية التي أصبحت الوسيلة الرئيسية أمام الصحافة المستقلة للوصول إلى الجمهور.
وأفادت تقارير بأن حسابات عدد من الصحفيين والمؤسسات الإعلامية تعرضت للحذف أو التقييد بعد شكاوى تتعلق بحقوق النشر يُعتقد أن بعضها قدم بناءً على ادعاءات زائفة.
وتشير تحقيقات صحفية وحقوقية إلى استخدام هويات وعناوين بريد إلكتروني تنتحل أسماء شركات وعلامات تجارية عالمية لتقديم شكاوى تستهدف مقاطع فيديو وتقارير صحفية ناقدة.
ويرى مراقبون أن هذه الأساليب تمثل شكلاً جديداً من الضغط الرقمي، خاصة في بيئة إعلامية تعتمد فيها الصحافة المستقلة بشكل متزايد على منصات مثل يوتيوب وإنستغرام وفيسبوك للوصول إلى الجمهور.
وفي المقابل، نفت وزارة الثقافة والإعلام في كازاخستان مسؤوليتها عن عمليات حظر حسابات الصحفيين، مؤكدة دعمها لمبدأ حرية التعبير، لكنها شددت في الوقت ذاته على ضرورة تحمل الصحفيين مسؤولية المعلومات التي ينشرونها.
UMJI: حماية الصحفيين مسؤولية أساسية
وفي هذا السياق، يؤكد الاتحاد الدولي للإعلاميين والصحفيين (UMJI) أن ملاحقة الصحفيين بسبب آرائهم أو أعمالهم المهنية، وفرض قيود تمنعهم من ممارسة الصحافة أو الوصول إلى الجمهور، تمثل تهديداً مباشراً لحرية الإعلام وحق المجتمع في الحصول على المعلومات.
ويشدد الاتحاد على ضرورة ضمان بيئة قانونية ومهنية آمنة للصحفيين في كازاخستان، والامتناع عن استخدام التشريعات الجنائية أو أدوات المنصات الرقمية كوسيلة لإسكات الأصوات المستقلة أو الحد من النقد العام



