مقالات الرأي

حرية التعبير الإلكتروني في أوروبا… بين حقّ الكلمة ومسؤولية النشر

بقلم: د. علي محمد العتبي رئيس الاتحاد الدولي للإعلاميين والصحفيين UMJI

أصبحت شبكة الإنترنت ساحةً أساسية لتبادل الأفكار ومناقشة القضايا العامة، ومنحت الأفراد قدرة واسعة على إيصال أصواتهم والمشاركة في صناعة الرأي العام. وفي أوروبا، تثير حرية التعبير الإلكتروني سؤالاً متجدداً: كيف نحمي حق الإنسان في التعبير، ونضمن في الوقت نفسه ألّا تتحول المنصات الرقمية إلى أدوات للتحريض أو الاعتداء على حقوق الآخرين؟

تستند الحماية الأوروبية لحرية التعبير إلى أساس حقوقي، أبرزُه المادة العاشرة من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، التي تشمل حرية اعتناق الآراء وتلقّي المعلومات والأفكار ونقلها عبر الحدود. وتمتد هذه الحماية إلى الإنترنت، فالحق في التعبير لا يفقد قيمته عندما تنتقل الكلمة من الصحيفة والمنبر إلى الشاشة والمنصة الرقمية. (coe.int)

وعند الحديث عن أسباب اتساع التعبير الإلكتروني في أوروبا، فإن الأدق هو النظر إلى العوامل التي تساعد على ممارسته. وفي تقديري، تتداخل هنا الثقافة الحقوقية، والتعددية السياسية، ودور الصحافة والمجتمع المدني، إلى جانب سهولة النشر وسرعة الوصول إلى الجمهور. فوجود أدوات رقمية متاحة يفتح باب المشاركة، بينما تمنح الحماية القانونية هذه المشاركة فرصة أكبر للاستمرار والتأثير.

وتكتسب هذه المساحة أهمية خاصة للأفراد والجاليات الذين يسعون إلى طرح قضاياهم بلغاتهم، والتواصل مع مجتمعاتهم، والمشاركة في النقاش العام. ومن هذا المنطلق، يمكن للإعلام العربي في أوروبا أن يؤدي دوراً مؤثراً في التعريف بقضايا الجاليات وتصحيح الصور النمطية، متى جمع بين وضوح الرسالة ودقة المعلومات واحترام الاختلاف.

لكن أوروبا ليست نموذجاً واحداً متطابقاً، كما أن القارة الأوروبية أوسع من الاتحاد الأوروبي. ولهذا ينبغي تجنّب التعميم عند مناقشة التشريعات أو تقييم مستوى الحرية، والنظر إلى القواعد والممارسات في كل دولة ضمن سياقها.

كذلك لا تعني الحماية القانونية أن حرية التعبير بلا حدود. فالإطار الأوروبي يشترط أن يكون أي تقييد مقرراً بالقانون، وأن يخدم غاية مشروعة، وأن يكون ضرورياً ومتناسباً في مجتمع ديمقراطي. وهذه الشروط جوهرية حتى لا تتحول حماية المجتمع إلى ذريعة لإسكات النقد أو التضييق على الآراء المخالفة. (coe.int)

وفي دول الاتحاد الأوروبي، يقدّم قانون الخدمات الرقمية إطاراً لتنظيم مسؤوليات الخدمات والمنصات الرقمية، يجمع بين التعامل مع المحتوى غير القانوني وضمانات لحماية الحقوق الأساسية، ومنها حرية التعبير. وتبرز هنا أهمية الشفافية والمساءلة في قرارات المنصات، لأن إدارة المحتوى أصبحت عاملاً مؤثراً في وصول الأصوات إلى الجمهور. (digital-strategy.ec.europa.eu)

وأرى أن التحدي الحقيقي يكمن في عدالة التطبيق. فحذف المحتوى المشروع بصورة تعسفية قد يضر بالنقاش العام، كما أن ترك التهديد والتحريض دون معالجة قد يدفع المتضررين إلى الصمت. لذلك، ينبغي أن تكون قواعد النشر واضحة، وأن تراعي القرارات سياق الكلام ولغته، وأن تتاح للمستخدم فرصة فعلية للاعتراض على القرارات الخاطئة.

ومن موقع المسؤولية الإعلامية، أؤمن بأن الدفاع عن حرية التعبير يبدأ بالدفاع عن حق الاختلاف، ويكتمل بالالتزام المهني. فالتحقق من الأخبار، والتمييز بين الرأي والمعلومة، وتصحيح الأخطاء، واحترام الخصوصية، ممارسات تعزّز مصداقية الكلمة وتمنحها قوة أكبر.

إن مستقبل حرية التعبير الإلكتروني في أوروبا يرتبط بقدرة المؤسسات والمنصات والمجتمعات على حماية الإنسان حين يتكلم، وحماية حقوقه حين يكون موضوعاً لكلام الآخرين. وتبقى مسؤوليتنا، بوصفنا إعلاميين وصحفيين، أن نوسّع مساحة الحوار، وأن نجعل من الكلمة الحرة وسيلةً للفهم والمساءلة وبناء الثقة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى