مقالات الرأي

كبسولة صباحية

بقلم : منزل زكريا النور سليمان

لقد أضحت الميديا في عصرنا الراهن سوق مزدهر بالعاهات والغرائب السبعة، ومعاصراً للمعقول واللا معقول ، لكنه سوقٌ يفتقر إلى فروسية الكلمة وشرف المواقف، حيث استُبدلت فيه الأخلاق الفاضلة بتنافس محموم على تعرية الروح والجسد.
لقد تحول الحياء الذي كان يوماً تاجاً يزين النفوس، إلى سلعة رخيصة تُعرض في مزادات التفاعلات الكيميائية للبشر الوسطي، ويُقايض فيها الوقار بدراهم من الإعجابات العابرة للحدود الأخلاقية والإجتماعية، ودينار من المشاهدات الزائفة المحدودة الأجل والغايات.
إن الفاجعة الكبرى تكمن في قلب المفاهيم؛ إذ تحول الستر في ثقافة الشاشة إلى تهمة تُطارد أصحابها بوصفهم رجعيين، وصارت الجرأة على القيم الراسخة دليلاً زائفاً على التحرر وكسر القيود ويالها من مآسي وكوارث تنهش في جدار المجتمعات والقيم.
هذا التحرر المزعوم ليس في جوهره إلا استلاباً للإرادة، حيث ترتمي الفتيات والشباب خلف العدسات، يلهثن في سباق محموم نحو سراب الشهرة، ويقدمن أدق خصوصياتهن وحرمات بيوتهن قرابين على مذابح الترند والخروج عن المألوف.
يظن هؤلاء أن الرقي يقاس بمقدار التخلي عن الثوابت، بينما الحقيقة الصادمة أن الأخلاق قد ذابت في وحل التهافت الرقمي، ولم يبقى من حصون التربية المتينة إلا أطلالٌ مهجورة، تقف أمامها العقول الرزينة باكية على زمن كان فيه الجمال يُستمد من العفة، والقوة تُعرف بالترفع.
إننا نعيش تزييفاً ممنهجاً للوعي، حيث يُباع الوهم تحت مسمى الحداثة، وتُغتال الفضيلة بدم بارد تحت بريق الأضواء المصطنعة، في مشهد لا يورث إلا الخواء الروحي والضياع القيمي…..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى