مقالات الرأي

لقد”.. صمت ناعي المدينة

بقلم: سحر الحسين البشير

أكثر ما كان يميز تلك المدينة التي ترقد على ضفاف النيل أن أهلها الكرام لديهم عادة
استخدام
الميكروفون للإشهار في
مناسبتين هما: الزواج والموت؛ فبسيارة صغيرة تطوف الشوارع ببطء، يعلو سطحها مكبر صوتٍ متواضع، ويجلس
بجانب السائق شابّان يحملان في أيديهما الدعوات
التى صيغت
بتفاصيل واضحة و
تُختم بعبارة “الدعوة عامة”، فيجتمع
الكل في موائد تعكس روح الإخاء والمحبة في الأفراح،
أما المناسبة الثانية فهي
الاعلان عن موت
أحد أبناء المدينه وهذا
من مكبر صوت المسجد؛ حيث يعتلي صوت جهوري
المئذنه
يتلو آيات ودعوات للموتى. فقد درج الناس على سماع صوت
يوسف ود العاجبة
، كما يحلو للجميع مناداته بهذا
الاسم؛
يوسف لديه
محل
لبيع احتياجات الناس اليوميه داخل منزله يفتح على الشارع
قرب المسجد
يموت أحدهم حتى يهبّ أحد أفراد العائلة راجلاً أو مهاتِفاً يوسف ليعلنها للجميع، حيث يسرد التفاصيل: الاسم، وموعد
الدفن، والمكان. ولكنها كانت بطريقة لا يمكن لأحد ان ينساها، حتى الأطفال يحبونها؛ فما أن يبدأ بالنفخ في ذلك
الميكروفون حتى ينتبه الجميع، وتتوقف
الحركة، وتخفت الأصوات،
فيصمت قليلا
ويسمى الله
ويُبتدأ بكلمة “لقد”
ومن
“لقد”
هنا أُلقب بـ
–
“لقد توفي لرحمة مولاه… بحي… ويقام الدفن في مقابر… الساعة…”ليكمل:
ويختم
بالعاء للميت
ثم
“إنا لله وإنا إليه راجعون”
وهكذا كان
يعرف الناس
مؤكدا
فالم
. وهكذا تعودت
صدر موثوقاً؛ يتحرك الجميع لمكان العزاء، ويقومون بالتشييع والصلاة
المدينة على صوته ودعواته.
حتى فى ظروف الحرب
كان هو الناعى للغرباء الذين اختاروا المدينة مأوا لهم
فيجدونه وكأنه من اقاربهم
بنداء يجمع فيه
الناس فيخفف ألم الموت عليهم بعدما فقدوا اهلهم وديارهم
أن حاصرت المدينة تلك القوات وبدأت تقتل وتساحل أهلها،
حتى كثر الموت وتساق
ت الأرواح من كل بيت بشكل لا يمت للخيال بصلة.
تسابق
الجميع على الخروج من المدينة بشتى
الطرق، وآثر
بعضهم
البقاء، ولكن طالت
هم نيران الأعداء
فتهجّروا من بيوتهم إلى مقار الشيوخ والطرق الصوفية
كانت
بمثابة حصن لهم
وهناك،
أصبح
نعى يوسف
لل
عشرات في الساعة الواحدة، فيهبّ الناس للدفن حتى خارت قواهم.
وما هي إلا أيام قليلة حتى أصبحت المدينة خالية إلا من بعض الناس، وهنا كان يوسف ينتظر دوره ليلقى ربه؛ فقد أجبره
أحد الجنود على هدم حائط ليُخرج من
منزله
. وبدأ يوسف يرمي في حجارة الحائط يساعده أطفاله،
سيارةً كانت لأخيه
ولكن الجندي تعجّل، فأطلق وابلاً من الرصاص على يوسف وعلى الحائط، فسقط الحائط متهادياً، وسرق الجندي السيارة
وهرب، بينما سقط يوسف ميتاً مضرّ جاً بدمائه أمام أعين صغاره!
تركوه دماءً طاهرة على حطام داره، ولم يكن هناك أحد ليعتلي منبر المسجد ويعلن الوفاة، فلا مسجد قد فُتح بأمر الجنود،
ولا صلاة تُقام هناك، ولا يوجد في المدينة من يسمع، فالجميع لديهم ذات القصص، وأصبحت الجثث تُدفن في المنازل.
“لقد توفي لرحمة مولاه.. ناعي المدينة، ولم يجد من ينعيه أو يتبعه.. وأنا لله وإنا إليه راجعون.”
…
وسيظل صوته صدىً في نفوس الناس، فوقع خبر الموت كان يكاد يكون أقل ألماً وفجعاً بفضل صوته وطريقة نعيه
وستشتاق المدينة طويلاً لصوته الرخيم، ولهيبته المعهودة حين يتنحنح ممهداً للخبر؛ ستبكي الشوارع والأزقة صدى نبراته
التي كانت تطمئن القلوب ، وتخفف عنها

تراحها، ليظل “يوسف” حياً في ذاكرة النيل وأرواح أهلها، ناعياً أبدياً لا ينسى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى