الصحافة والاستقصاء

تقرير صحفي | عبد الرحمن أبو قاسم

لم تقتصر الحرب على غزة على ما جرى في الميدان. فبالتوازي مع القصف والدمار وسقوط الضحايا، دارت معركة أخرى حول ما يصل إلى العالم من معلومات، وكيف تُعرض الوقائع، ومن يُمنح حق رواية ما حدث. وفي هذه المعركة، لم يكن الصحفيون مجرد شهود على الحرب؛ بل أصبح عملهم نفسه جزءًا من قضية تتعلق بحرية الإعلام والمساءلة عن الانتهاكات

لم تقتصر الحرب على غزة على ما جرى في الميدان. فبالتوازي مع القصف والدمار وسقوط الضحايا، دارت معركة أخرى حول ما يصل إلى العالم من معلومات، وكيف تُعرض الوقائع، ومن يُمنح حق رواية ما حدث. وفي هذه المعركة، لم يكن الصحفيون مجرد شهود على الحرب؛ بل أصبح عملهم نفسه جزءًا من قضية تتعلق بحرية الإعلام والمساءلة عن الانتهاكات.

هذا ما يناقشه تقرير قدمته فرانشيسكا ألبانيزي، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة في يوليو/تموز 2026، تحت عنوان «الحقيقة تحت الأنقاض: وسائل الإعلام في زمن الإبادة الجماعية».

التقرير، الذي يقع في 37 صفحة، يذهب أبعد من توثيق المخاطر التي يتعرض لها الصحفيون الفلسطينيون. فهو يفحص دور وسائل الإعلام في نقل الحرب وتفسيرها، ويتناول الخطاب الذي يصوّر الفلسطينيين، والقيود المفروضة على التغطية، ودور المنصات الرقمية في نشر المعلومات أو الحد من وصولها إلى الجمهور.

واستندت المقررة الخاصة إلى 89 مساهمة وردت في إطار إعداد التقرير، تناول 62 منها دور وسائل الإعلام في سياق السياسات والممارسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين. ويمنح هذا الجانب الوثيقة نطاقًا أوسع من مجرد رصد الاعتداءات على الصحفيين، إذ يضع التغطية الإعلامية نفسها موضع الفحص والنقد.

صحفيون يغطون الحرب ويدفعون ثمنها

منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، عمل الصحفيون الفلسطينيون في غزة وسط ظروف لا تقتصر خطورتها على القصف المباشر. النزوح، وانقطاع الاتصالات، ونقص المعدات، وتدمير المؤسسات الإعلامية، كلها عوامل جعلت استمرار التغطية مهمة يومية شاقة.

ويعرض التقرير حالات تتعلق بقتل صحفيين واعتقالهم وإصابتهم، كما يتناول ما تعرض له إعلاميون من حملات تشكيك واتهامات سبقت استهداف بعضهم أو رافقته. ومن الحالات التي يناقشها مقتل مراسل قناة الجزيرة أنس الشريف في غارة إسرائيلية في أغسطس/آب 2025، وما أحاط بالقضية من اتهامات وردود ومواقف حقوقية وإعلامية.

تكشف هذه الحالات عن مشكلة لا تتعلق بالصحفي وحده. فعندما يُقتل مراسل كان يتابع الأحداث يوميًا، يخسر الجمهور مصدرًا ميدانيًا للمعلومات، وتفقد المؤسسات الإعلامية خبرة تراكمت خلال شهور من العمل، وقد تضيع شهادات ومواد يصعب استعادتها لاحقًا.

لكن خطورة هذه الوقائع لا تعفي الصحافة من واجب التحقق. فالادعاءات المتعلقة بظروف استهداف صحفي أو الاتهامات الموجهة إليه تحتاج إلى فحص الأدلة ومقارنة الروايات وتحديد ما ثبت وما لا يزال محل نزاع.

وهذا تحديدًا ما يجعل التحقيق المستقل ضروريًا: ليس الاكتفاء برواية جهة عسكرية أو بيان مؤسسة إعلامية، بل جمع الأدلة والتحقق منها، ثم إعلان النتائج بوضوح.

من يراقب ما يحدث عندما يُمنع الصحفي من الوصول؟

تتناول الوثيقة القيود التي تواجه الصحافة المستقلة في الوصول إلى غزة، وما يترتب عليها من اعتماد أكبر على الصحفيين الفلسطينيين الموجودين داخل القطاع.

المشكلة هنا ليست في جنسية المراسل، بل في قدرته على الوصول إلى موقع الحدث والتحقق من المعلومات. فالتغطية الصحفية المستقلة تقتضي مقابلة الشهود، وفحص الصور ومقاطع الفيديو، ومقارنة الروايات الرسمية بشهادات الموجودين في الميدان.

وعندما يتعذر الوصول المستقل، تصبح عملية التحقق أكثر صعوبة. وقد تضطر المؤسسات الإعلامية إلى الاعتماد على مواد لا تستطيع فحص ظروف إنتاجها مباشرة، أو إلى الاكتفاء بمعلومات محدودة لا تكفي وحدها لتكوين صورة متكاملة.

في المقابل، يتحمل الصحفي الفلسطيني العبء الأكبر في نقل ما يجري، من دون أن تتوافر له دائمًا شروط العمل الأساسية أو الحماية اللازمة.

ومن هنا، فإن فتح المجال أمام الصحفيين الدوليين للوصول المستقل إلى غزة لا يمثل مطلبًا ثانويًا. إنه جزء من ضمان التغطية المتعددة المصادر، وتقليل الاعتماد على الروايات غير القابلة للتحقق، وإتاحة الفرصة أمام تحقيقات ميدانية مستقلة.

حين تصبح اللغة جزءًا من المشكلة

لا يكتفي التقرير بالنظر إلى ما تنشره وسائل الإعلام، بل يتناول الطريقة التي تصوغ بها الأحداث، والمفردات التي تستخدمها، والمساحة التي تمنحها للروايات المختلفة.

وهذه نقطة تستحق النقاش المهني. فالتغطية لا تتشكل من الوقائع وحدها، بل أيضًا من اختيار العناوين، وترتيب المعلومات، وتحديد المصادر التي تُقدَّم للجمهور باعتبارها موثوقة، والسياق الذي تُعرض فيه صور الضحايا.

ويحذر التقرير من الخطاب الذي ينزع الصفة الإنسانية عن الفلسطينيين أو يساهم في تبرير العنف ضدهم، كما ينتقد أنماطًا من التغطية يرى أنها ساعدت في تهميش الرواية الفلسطينية أو حجب جوانب من معاناة المدنيين.

لكن تقييم هذا النقد يتطلب العودة إلى المواد الإعلامية نفسها.

فلا يكفي القول إن مؤسسة ما منحازة؛ ينبغي فحص تقاريرها وعناوينها ومصادرها، ومقارنتها بالوقائع المتاحة، وتحديد مواضع الخلل بدقة.

فالصحافة المهنية لا تُقاس بتطابقها مع موقف سياسي بعينه، وإنما بقدرتها على التحقق، وإظهار السياق، وتصحيح الأخطاء، وعدم التعامل مع شهادات الضحايا بمعايير مختلفة تبعًا لهويتهم.

وإذا كان من حق المؤسسات الإعلامية نقل الروايات الرسمية، فإن ذلك لا يعفيها من اختبار تلك الروايات، ولا يمنحها حصانة من النقد عندما تتجاهل أدلة متاحة أو تقدم ادعاءات غير مثبتة باعتبارها حقائق.

المنصات الرقمية.. من يقرر ما يراه الجمهور؟

يمتد النقاش إلى المنصات الرقمية التي أصبحت جزءًا أساسيًا من تداول الأخبار والصور والشهادات.

فالمحتوى المتعلق بفلسطين لا يصل إلى الجمهور عبر غرف الأخبار وحدها. إنه يمر أيضًا عبر أنظمة التوصية والإشراف على المحتوى، التي تحدد ما يمكن نشره، وما يُحذف، وما يحظى بالانتشار.

ويتناول التقرير مخاوف تتعلق بتقييد المحتوى الفلسطيني، وانتشار المعلومات المضللة، ودور المنصات في تشكيل النقاش العام حول الحرب. وهذه قضايا تتطلب شفافية أكبر، لأن قرارات حذف المحتوى أو تقييد انتشاره قد تؤثر في قدرة الصحفيين والباحثين والجمهور على توثيق الأحداث وفهمها.

ومع ذلك، فإن مواجهة التضليل لا تعني ترك المحتوى التحريضي بلا ضوابط، كما أن حماية حرية التعبير لا تعني إعفاء المنصات من مسؤولية تطبيق قواعد واضحة ومتسقة.

المطلوب هو أن تكون سياسات الإشراف مفهومة، وأن تُوضح أسباب القرارات التي تؤثر في المحتوى الصحفي، وأن تتوافر آليات للاعتراض والتصحيح. ومن دون ذلك، يصعب على الجمهور التمييز بين إزالة محتوى ضار وبين تقييد شهادة مشروعة أو مادة ذات قيمة توثيقية.

القانون لا يكتفي بالتنديد

يستند التقرير إلى قواعد القانون الدولي المتعلقة بحماية الصحفيين والمدنيين، ويطرح أهمية التحقيق في الاعتداءات التي يتعرض لها العاملون في الإعلام.

والقاعدة الأساسية أن الصحفي المدني يتمتع بالحماية المقررة للمدنيين في النزاعات المسلحة، ما دام لا يشارك مباشرة في الأعمال العدائية. ولا يجوز استهدافه لمجرد ممارسته مهنته أو نشره معلومات تثير غضب أحد أطراف النزاع.

أما تحديد ما إذا كانت واقعة بعينها تشكل جريمة، ومن يتحمل المسؤولية عنها، فيتطلب فحص الأدلة وتطبيق المعايير القانونية ذات الصلة. فالتقرير الحقوقي يمكن أن يوثق وقائع ويعرض استنتاجات مهمة، لكنه لا يحل محل التحقيق الجنائي أو الحكم القضائي.

ومن هنا تبرز أهمية توصيات التقرير بشأن حماية الصحفيين، وحفظ الأدلة، والتحقيق في الانتهاكات، وتيسير الوصول الإعلامي المستقل إلى غزة.

إن إصدار تقرير جديد لا يضمن بحد ذاته محاسبة المسؤولين. الاختبار الحقيقي هو ما إذا كانت الجهات المختصة ستتابع الوقائع، وتحمي المواد التي يمكن أن تكون ذات قيمة إثباتية، وتعلن نتائج تحقيقاتها، وتتخذ إجراءات عندما تثبت المسؤولية.

ما الذي يبقى بعد صدور التقرير؟

تضع وثيقة ألبانيزي المؤسسات الإعلامية والحكومات والجهات الدولية أمام أسئلة تتجاوز حدود التغطية اليومية: كيف يمكن حماية الصحفيين الذين يوثقون الحرب؟ وكيف يمكن ضمان وصول مستقل إلى المعلومات؟ ومن يتابع الانتهاكات عندما تتعثر التحقيقات أو تتأخر المساءلة؟

ولا يكفي أن تتعامل المؤسسات الدولية مع سلامة الصحفيين باعتبارها بندًا في بيانات الإدانة. المطلوب إجراءات قابلة للمتابعة، تبدأ بالتحقيق في الوقائع وحماية الأدلة، ولا تنتهي عند توفير ظروف أكثر أمانًا للعمل الصحفي.

كما أن على المؤسسات الإعلامية مراجعة أدائها بانتظام، لا بهدف فرض رواية سياسية واحدة، بل لضمان تطبيق المعايير المهنية على الجميع. وعلى المنصات الرقمية أن توضح كيف تتخذ قراراتها بشأن المحتوى المرتبط بالحرب، خصوصًا عندما تكون المواد المنشورة شهادات أو أدلة على أحداث خطيرة.

أما بالنسبة إلى الصحافة الفلسطينية، فإن استمرار التغطية في ظل هذه الظروف يفرض تحديات تتعلق بالسلامة والاستقلال والقدرة على حفظ المواد الميدانية. وهو ما يجعل الدعم المهني والقانوني والتقني ضرورة، لا مجرد تعبير عن التضامن.

الحقيقة تحتاج إلى ما هو أكثر من النشر

تكمن أهمية التقرير الأممي في أنه يربط بين ما يحدث للصحفيين، وما يصل إلى الجمهور، وما يمكن أن يبقى متاحًا للتحقيق والمساءلة بعد انتهاء الحرب.

لكن الوثيقة، مثل غيرها من التقارير الحقوقية، لا ينبغي أن تكون نهاية النقاش. يجب أن تكون نقطة انطلاق لمراجعة الوقائع، وفحص أداء المؤسسات الإعلامية، ومتابعة التوصيات، ومساءلة الجهات التي يثبت تورطها في انتهاكات.

في فلسطين، لا تتعلق حرية الصحافة بحق الصحفي في حمل كاميرته أو نشر تقريره فقط. إنها تتعلق أيضًا بحق الجمهور في معرفة ما يجري، وحق الضحايا في أن تُسمع شهاداتهم، وقدرة الجهات المختصة على الوصول إلى أدلة مستقلة.

والسؤال الذي يبقى بعد قراءة الوثيقة ليس ما إذا كانت الرواية الفلسطينية حاضرة في الإعلام أم غائبة فحسب، بل ما إذا كان الصحفيون قادرين على توثيق الوقائع بأمان، وما إذا كانت الأدلة التي يجمعونها ستجد طريقها إلى التحقيق، وما إذا كانت الدعوات الدولية لحماية الإعلام ستتحول إلى إجراءات فعلية.

فالحقيقة لا تُحمى بمجرد نشرها. تحتاج إلى صحفي يستطيع الوصول إلى الميدان، ومؤسسة مستعدة لفحص ما يصلها، وجهة مستقلة تحقق في الوقائع، ونظام مساءلة لا يتوقف عند حدود البيانات والتصريحات.

المصدر الأساسي: تقرير المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، «الحقيقة تحت الأنقاض: وسائل الإعلام في زمن الإبادة الجماعية»، الوثيقة A/81/249، 21 يوليو/تموز 2026.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى