
لم يعد الإعلام مجرد وسيلة لنقل الأخبار وتداول المعلومات فقط ، بل أصبح قوة مؤثرة في تشكيل الوعي، وتوجيه الرأي العام، وصناعة التحولات الاجتماعية والثقافية والفكرية.
فالمجتمعات لا تتغير بالقرارات وحدها، ولا تنهض بالشعارات المجردة، وإنما تحتاج إلى إعلام مسؤول يمتلك القدرة على مخاطبة العقول، وتحريك الضمائر، وتحويل الوعي إلى سلوك،والأفكار إلى مبادرات ،والتحديات إلى فرص للتغيير
إن أهمية الإعلام في تغيير المجتمع تنبع من قدرته على تسليط الضوء على القضايا المسكوت عنها، والدفاع عن حقوق الإنسان، وتعزيز قيم التسامح والتعايش السلمي، ومحاربة خطاب الكراهية والتضليل والشائعات.
فالكلمة الصادقة قد تفتح نافذة أمل في مجتمع أنهكته الأزمات، والصورة المسؤولة قد تكشف حقيقة غائبة، والرسالة الهادفة قد تسهم في تغيير قناعات راسخة وبناء اتجاهات جديدة أكثر وعيًا وانفتاحًا.
وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، لم يعد دور الإعلامي مقتصرًا على نقل الحدث، بل أصبح مطالبًا بفهم أبعاده، وتحليل أسبابه، وتقديم المعلومات الموثوقة التي تساعد المجتمع على اتخاذ مواقف واعية. فالإعلام الذي يكتفي بوصف الأزمات دون المساهمة في فهمها، يظل إعلامًا ناقلًا للواقع، أما الإعلام الذي يبحث عن جذور المشكلات، ويمنح صوتًا للمهمشين، ويطرح الحلول، فهو إعلام يشارك في صناعة المستقبل.
الاتحاد الدولي للإعلاميين والصحفيين.. نموذج للعمل الإعلامي المشترك ومن النماذج التي يمكن النظر إليها في سياق العمل الإعلامي المنظم
الاتحاد الدولي للإعلاميين والصحفيين، بوصفه إطارًا يجمع الإعلاميين والصحفيين، ويفتح المجال أمام تعزيز التواصل المهني وتبادل الخبرات وتوسيع مساحات التعاون بين العاملين في الحقل الإعلامي.
إن قيمة المؤسسات والاتحادات الإعلامية لا تُقاس بعدد أعضائها أو اتساع حضورها على المنصات الرقمية فحسب، وإنما تُقاس بما تقدمه من مبادرات عملية، وما تتيحه من فرص للتطوير المهني، وما تتركه من أثر إيجابي في المجتمعات التي تعمل من أجلها
ومن هنا، فإن الاتحاد الدولي للإعلاميين والصحفيين أمام فرصة مهمة لتعزيز دوره المهني والمجتمعي، من خلال تبني برامج تدريبية لتطوير مهارات الصحفيين، ونشر ثقافة التحقق من المعلومات، والدفاع عن حرية الصحافة المسؤولة، وتعزيز سلامة الإعلاميين، وتشجيع إنتاج المحتوى الذي يخدم قضايا الإنسان والمجتمع.
كما يمكن للاتحاد أن يؤدي دورًا فاعلًا في بناء جسور التواصل بين الإعلاميين من مختلف البلدان، وتبادل التجارب الناجحة، وتنسيق الحملات التوعوية التي تتناول قضايا السلام، والتعليم، والصحة، والعدالة الاجتماعية، ومكافحة العنصرية وخطاب الكراهية.
ولعل المجتمعات التي تعاني من النزاعات والانقسامات تحتاج إلى مثل هذه الجهود أكثر من غيرها؛ لأن الإعلام في أوقات الأزمات قد يكون جسرًا للتواصل والتفاهم، وقد يتحول، إذا غابت عنه المهنية والمسؤولية، إلى أداة لتوسيع دائرة الصراع. ولذلك فإن المسؤولية الأخلاقية للإعلامي تفرض عليه أن يضع الحقيقة فوق المصالح الضيقة، وأن يجعل كرامة الإنسان وسلامة المجتمع من أولوياته.
من العضوية إلى صناعة الأثر إن الانضمام إلى المؤسسات والاتحادات المهنية ينبغي ألا يكون مجرد صفة تُضاف إلى السيرة الذاتية، أو عضوية تُستخدم للتعريف الشخصي، بل يجب أن يمثل بداية لمرحلة جديدة من العطاء والمشاركة الفاعلة.
فالعضو الحقيقي هو الذي يضيف إلى مؤسسته بفكره وخبرته ومبادراته، ويسهم في تحقيق أهدافها، ويحول الفرص المتاحة إلى إنجازات ملموسة. كما أن نجاح أي اتحاد إعلامي يرتبط بقدرته على تحويل طاقات أعضائه إلى مشاريع مشتركة، وتوفير بيئة مهنية تحترم الاختلاف، وتدعم الإبداع، وتمنح أصحاب المبادرات مساحة حقيقية للمشاركة.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الاستفادة من الإعلام الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي، ليس فقط لزيادة الانتشار، بل لبناء خطاب إعلامي أكثر تأثيرًا، يصل إلى فئات المجتمع المختلفة، ويستجيب لاحتياجاتها، ويعزز مشاركتها في القضايا العامة. فالإعلام الناجح لا يصنع جمهورًا يستهلك المعلومات فحسب، بل يبني مجتمعًا قادرًا على التفكير والنقد والمشاركة وصناعة القرار.
السودان في حاجة إلى إعلام يصنع السلام وفي السودان، حيث تركت الحرب آثارًا عميقة في النسيج الاجتماعي والإنساني، تزداد الحاجة إلى إعلام مهني مسؤول يسهم في ترميم العلاقات المجتمعية، ومواجهة الشائعات، ورفض التحريض على أساس القبيلة أو المنطقة، وإبراز المبادرات الإنسانية التي تجمع السودانيين بدلًا من تعميق خلافاتهم.
إن مسؤولية الإعلام السوداني اليوم لا تتوقف عند نقل أخبار المعارك وتطورات المشهد السياسي، بل تمتد إلى منح مساحة لأصوات السلام، وتسليط الضوء على معاناة النازحين واللاجئين، وتوثيق الجهود الإنسانية، وتعزيز ثقافة الحوار السوداني السوداني، وتذكير الجميع بأن الاختلاف لا ينبغي أن يتحول إلى عداوة، وأن الوطن أكبر من الانتماءات الضيقة.
وهنا يمكن للاتحادات والمؤسسات الإعلامية الدولية أن تسهم في دعم الصحفيين السودانيين، وتطوير قدراتهم، وتوسيع فرص التعاون بينهم وبين نظرائهم في الدول الأخرى، بما يعزز حضور القضية السودانية في المنابر الإعلامية، ويضمن تناولها بمهنية وإنصاف.
غير أن هذا الدور يحتاج إلى عمل مؤسسي جاد، وخطط واضحة، ومبادرات قابلة للتنفيذ والتقييم، بعيدًا عن الاكتفاء بالبيانات الاحتفالية والشعارات العامة.
كلمة أخيرة إن تغيير المجتمع يبدأ من تغيير طريقة تفكيره، والإعلام أحد أهم الأدوات التي يمكن أن تسهم في هذه العملية، متى التزم بالحقيقة، واحترم عقل المتلقي، وانحاز إلى قضايا الإنسان.
والاتحاد الدولي للإعلاميين والصحفيين، شأنه شأن المؤسسات المهنية الطامحة إلى التأثير، يستطيع أن يجعل من العمل الإعلامي المشترك وسيلة لبناء الوعي وتعزيز المهنية وخدمة المجتمعات، إذا تحولت أهدافه إلى برامج واقعية، وتحولت عضويته إلى طاقات منتجة، وتحولت رسالته إلى أثر ملموس في حياة الناس.
فالمؤسسات الإعلامية لا تُخلّدها أسماؤها، بل تُخلّدها مواقفها، ولا يمنحها قيمتها عدد المنتسبين إليها، بل ما تقدمه من خدمة للمهنة والمجتمع.
وفي نهاية المطاف، تبقى الحقيقة التي ينبغي أن يدركها كل إعلامي وصحفي أن الكلمة مسؤولية، وأن القلم أمانة، وأن الرسالة الإعلامية الحقيقية ليست مجرد وصف لما يحدث، بل الإسهام في بناء واقع أفضل.
الإعلام ليس مرآة تعكس المجتمع فحسب، بل يمكنه أن يكون نافذة يرى من خلالها المجتمع مستقبله، وطريقًا يعبر به من واقع الأزمات إلى آفاق الوعي والتغيير.
بقلم: الإعلامي عبدالرحيم أبكر يحي
عضو الاتحاد الدولي للإعلاميين والصحفيين



