مقالات الرأي

غليان تحت الرماد… حين يفقد الشارع صبره. … إلى أين

بقلم الإعلامي عبد الرحمن أبو قاسم

عندما يتحول الصمت إلى احتجاج

لا تبدأ الاحتجاجات الشعبية بالضرورة في الشوارع والساحات، بل قد تتشكل قبل ذلك بوقت طويل داخل البيوت وأماكن العمل، حين تتراكم الأعباء المعيشية، وتتراجع الثقة بقدرة المؤسسات على الاستجابة، وتتسع الفجوة بين الوعود الرسمية والواقع الذي يعيشه الناس.

وعندما يتحول الاستياء الفردي إلى شعور جماعي، يصبح المشهد أكبر من مجرد تجمعات أو شعارات؛ إذ قد يعكس تراكم مشكلات اقتصادية واجتماعية وإدارية، تتفاعل مع حدث مباشر لتدفع الغضب الكامن إلى العلن.

لكن فهم الاحتجاجات لا يتحقق بالاكتفاء بمراقبة ما يحدث في الشوارع، بل يتطلب البحث في أسبابها، وطبيعة المطالب المطروحة، ومدى استجابة المؤسسات لها، والظروف التي قد تدفع الحراك نحو التهدئة أو استمرار التوتر.

فما الذي يجعل الشارع يتحرك في لحظة معينة؟ وكيف تتحول الضغوط المعيشية إلى أزمة ثقة؟ وما الدور الذي تؤديه السياسات العامة والإعلام في إدارة الأزمات؟ وأي مسار يمكن أن يحوّل الاحتقان إلى إصلاح بدلاً من الانزلاق إلى العنف والفوضى؟

أولاً: الاقتصاد في قلب الغضب الشعبي

تُعد الظروف الاقتصادية من العوامل التي قد تسهم في اندلاع الاحتجاجات، لكن تأثيرها لا يتوقف عند ارتفاع الأسعار أو تراجع الدخل، بل يمتد إلى شعور الناس بقدرتهم على تأمين احتياجاتهم الأساسية، وبمدى عدالة توزيع الأعباء.

غلاء المعيشة وتراجع القدرة الشرائية

عندما ترتفع أسعار الغذاء والسكن والطاقة والنقل بوتيرة تفوق نمو دخول الأسر، تتراجع قدرتها على تلبية احتياجاتها، وتضطر إلى تقليص الإنفاق أو الاستغناء عن بعض الضروريات. وتزداد حدة المشكلة عندما لا تتوافر حماية اجتماعية كافية للفئات الأكثر تأثراً.

ولا يتوقف السؤال عند أسباب ارتفاع الأسعار، بل يشمل أيضاً مدى فاعلية السياسات الاقتصادية، وعدالة توزيع الأعباء، ووضوح الإجراءات الحكومية الرامية إلى الحد من آثار الأزمة.

البطالة وضيق فرص المستقبل

لا تعني البطالة فقدان الدخل فقط، بل قد تؤدي أيضاً إلى الإحباط وتراجع الثقة بالمستقبل، ولا سيما لدى الشباب الذين لا يجدون فرص عمل تتناسب مع مؤهلاتهم.

وعندما يترافق ذلك مع ضعف الأجور أو صعوبة الاستقلال المادي أو الشعور بعدم تكافؤ الفرص، قد تتجاوز المطالب الاقتصادية حدود الوظيفة لتشمل العدالة والشفافية والمساءلة.

الخدمات العامة وجودة الحياة

قد يتراكم الاستياء نتيجة مشكلات في الصحة والتعليم والنقل والمياه والكهرباء وغيرها من الخدمات الأساسية. وحين تتكرر أوجه القصور من دون حلول ملموسة، تصبح التجربة اليومية للمواطن معياراً أساسياً للحكم على أداء المؤسسات، بصرف النظر عن الوعود المعلنة.

ومع ذلك، لا يجوز افتراض أن كل احتجاج سببه اقتصادي؛ فتحديد العوامل الفعلية يتطلب النظر إلى ظروف كل حالة والأدلة المتاحة بشأنها.

ثانياً: حين تتحول الضائقة المعيشية إلى أزمة ثقة

قد تتشابه الظروف الاقتصادية بين مجتمعين، ومع ذلك يشهد أحدهما احتجاجات واسعة، بينما تبقى الاحتجاجات في الآخر محدودة. ويشير ذلك إلى أن الضغوط المعيشية ليست العامل الوحيد، وأن الثقة والعدالة وطريقة اتخاذ القرار قد تؤدي دوراً مهماً.

فعندما يشعر الناس بأن الأعباء لا توزَّع بإنصاف، أو بأن بعض الفئات تتمتع بامتيازات لا تتاح لغيرها، قد يتحول الاستياء من الأوضاع الاقتصادية إلى اعتراض على طريقة إدارة الشأن العام.

كما أن تكرار الوعود من دون نتائج واضحة، أو صدور تصريحات متناقضة، أو تأخر معالجة الشكاوى، قد يضعف الثقة بين المجتمع والمؤسسات.

وفي المقابل، يمكن للشفافية والمساءلة والاعتراف بالأخطاء وتوضيح القرارات أن تحد من اتساع فجوة الثقة.

وتبرز هنا أهمية قنوات الحوار الفعالة؛ فكلما وجد المواطن وسائل جدية لإيصال مطالبه ومناقشتها، ازدادت فرص معالجة الخلافات قبل تفاقمها. أما حين يشعر بأن صوته لا يصل، فقد يرى في الاحتجاج السلمي وسيلة للفت الانتباه إلى مطالبه.

ثالثاً: لماذا تندلع الاحتجاجات في لحظة معينة؟

نادراً ما يكفي عامل واحد لتفسير توقيت الاحتجاجات. فقد تتراكم أسباب الاستياء على مدى طويل، ثم يأتي قرار اقتصادي أو حادثة خدمية أو تطور سياسي ليكون الشرارة المباشرة.

وقد تؤثر أيضاً ظروف مثل مواسم الإنفاق، أو تراجع فرص العمل، أو تكرار أزمات لم تُعالج، في قدرة الناس على التحمل.

وفي هذه اللحظات، قد تتسع دائرة المشاركة عندما تتقاطع مطالب شرائح مختلفة أو يشعر الأفراد بأن مشكلاتهم مشتركة.

أما منصات التواصل الاجتماعي، فقد أصبحت وسيلة مهمة لتداول المعلومات وتنسيق التحركات ونقل المطالب. لكنها تتيح أيضاً انتشار الشائعات والمعلومات المضللة، ما يجعل التحقق من الوقائع ومصادرها ضرورة صحفية ومجتمعية.

لذلك، ينبغي التمييز بين الحدث الذي أشعل الاحتجاج وبين الأسباب المتراكمة التي جعلت المجتمع أكثر استعداداً للتفاعل معه؛ فمعرفة الشرارة وحدها لا تفسر دائماً جذور الأزمة.

رابعاً: التواصل الحكومي بين احتواء الأزمة وتعميقها

لا تتحدد آثار القرارات العامة بمضمونها وحده، بل تتأثر أيضاً بطريقة شرحها وتنفيذها والاستجابة لما تثيره من مخاوف واعتراضات.

فالتأخر في تقديم المعلومات يترك مجالاً للتأويل، والتصريحات العامة التي لا توضح الأرقام أو البدائل أو المهل الزمنية قد لا تكون كافية لإقناع المتضررين. كما أن تجاهل الشكاوى المتكررة قد يحول مشكلة قابلة للمعالجة إلى أزمة ثقة أوسع.

ولا يعني ذلك أن التواصل الإعلامي وحده قادر على حل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية؛ فالخطاب المقنع يحتاج إلى إجراءات فعلية تدعمه.

ومن هنا تبرز أهمية نشر المعلومات الدقيقة، وتوضيح أسباب القرارات وتبعاتها، والإعلان عن خطوات قابلة للقياس، ومحاسبة الجهات المسؤولة عن تنفيذها.

إن التواصل الفعال لا يقوم على تبرير كل قرار، بل على شرح أسبابه بوضوح، والاستماع إلى الاعتراضات، والاستعداد للمراجعة عندما تظهر أخطاء أو نتائج غير متوقعة.

خامساً: الإعلام في أوقات الأزمات بين نقل الحقيقة وتأجيج التوتر

في أوقات الاحتجاجات والأزمات الاجتماعية، لا يقتصر دور الإعلام على نقل ما يحدث في الشوارع، بل يمتد إلى تفسير أسبابه، والتحقق من المعلومات المتداولة، وإتاحة المجال أمام مختلف الأطراف لعرض مواقفها، ومساعدة الجمهور على فهم ما يجري بعيداً عن الشائعات والانفعالات.

فالإعلام المهني لا يكتفي بتصوير مشاهد الغضب أو تكرار التصريحات الرسمية، بل يبحث في جذور الأزمة، وينقل مطالب المتضررين، ويفحص القرارات والسياسات ذات الصلة، ويطرح الأسئلة التي تساعد على كشف أوجه القصور وتحديد المسؤوليات، مع منح الجهات المعنية حق الرد.

وبهذا المعنى، يصبح الإعلام مساحة للمساءلة العامة، وجسراً يمكن أن يربط بين المجتمع والمؤسسات.

وفي المقابل، قد تؤدي التغطية غير المسؤولة إلى تعميق التوتر، خصوصاً عندما تُنشر معلومات غير مؤكدة، أو تُقتطع التصريحات من سياقها، أو تُستخدم عناوين مثيرة لا تعكس حقيقة الوقائع، أو يُقدَّم العنف باعتباره الصورة الوحيدة للاحتجاجات.

كما أن تجاهل المطالب الفعلية للناس، أو الاكتفاء بترديد الروايات الرسمية من دون فحص مستقل، قد يضعف ثقة الجمهور بالإعلام ويحد من قدرته على أداء دوره الرقابي.

ولا تعني المسؤولية المهنية إخفاء الحقائق المؤلمة أو تجميل الواقع أو تجنب نقد السلطات، كما لا تعني منح جميع الروايات المصداقية نفسها بصرف النظر عن الأدلة. بل تقوم على التحقق من المصادر، والفصل بين الخبر والرأي، وتصحيح الأخطاء، وتوضيح ما هو معلوم وما يزال غير مؤكد، وتجنب التحريض والتعميم والاتهامات غير المثبتة.

وفي الأزمات، تزداد أهمية الصحفي الذي ينقل الوقائع بدقة، ويمنح المتضررين مساحة للتعبير، ويواجه التضليل بالمعلومات الموثقة، ويحافظ في الوقت نفسه على كرامة الأشخاص وسلامتهم.

فحرية الإعلام والمسؤولية المهنية ليستا نقيضين؛ بل إن إحداهما تعزز الأخرى عندما تكون الغاية هي خدمة حق الجمهور في المعرفة.

إن الإعلام الذي يلتزم الحقيقة لا يحرّض على الفوضى، ولا يتستر على الأخطاء، ولا يتحول إلى أداة لتصفية الحسابات. إنه يراقب، ويسأل، ويوثق، ويشرح، ويترك للجمهور فرصة تكوين رأيه على أساس المعلومات لا الشائعات.

وفي لحظات الغليان، قد تكون الكلمة الدقيقة عاملاً في توضيح الأزمة وفتح أبواب الحل، بينما قد يؤدي الخبر المضلل إلى تعقيدها وإلحاق الضرر بالجميع.

سادساً: بين المطالب المشروعة ومخاطر التصعيد

قد يبقى الاحتجاج محصوراً في مطالب محددة، وقد يتسع ليشمل قضايا اقتصادية واجتماعية وسياسية أوسع. ويتأثر مساره بمدى انتشار المشكلة، ووضوح المطالب، وطبيعة الاستجابة الرسمية، وقدرة الأطراف المعنية على الحفاظ على قنوات التواصل.

وفي هذا السياق، ينبغي التمييز بين الاحتجاج السلمي وأعمال العنف والتخريب. فالتعبير السلمي عن الرأي والمطالبة بالإصلاح لا يعنيان تبرير الاعتداء على الأشخاص أو تدمير الممتلكات العامة والخاصة.

كما أن وقوع تجاوزات من أفراد لا يبرر تعميم المسؤولية على جميع المشاركين، ولا ينبغي أن يؤدي إلى تجاهل المطالب المطروحة.

وفي المقابل، لا يمكن تبرير العنف بحجة عدالة المطالب؛ فمشروعية القضية لا تمنح أحداً الحق في تعريض الآخرين للخطر أو الاعتداء على حقوقهم.

وتقع على الجهات المعنية مسؤولية التعامل مع التجمعات وفق القانون، وحماية الأرواح والممتلكات، واحترام الحقوق الأساسية، وتجنب الإجراءات التي قد تزيد التوتر.

ويظل ضبط النفس من جميع الأطراف عاملاً مهماً في منع اتساع المواجهات.

سابعاً: المصالح السياسية والاتهامات بالتدخل

خلال فترات التوتر، قد تظهر اتهامات بشأن استغلال أطراف سياسية أو جهات أخرى للاحتجاجات لتحقيق مصالح خاصة. غير أن الاستفادة من حدث بعد وقوعه لا تثبت بالضرورة أن الجهة المستفيدة خططت له أو تسببت في اندلاعه.

لذلك، يتطلب تناول هذه المسائل التزاماً صارماً بالأدلة والوثائق والمعلومات التي يمكن التحقق منها، مع الفصل بين الوقائع والادعاءات والتحليلات.

أما توجيه اتهامات بالتمويل أو التحريض أو التدخل من دون أدلة موثوقة، فيحوّل التغطية الصحفية من البحث عن الحقيقة إلى إعادة إنتاج الشائعات.

ومن واجب الإعلام أن يتيح المجال لفهم مختلف المواقف، من دون أن يمنح الادعاءات غير المثبتة صفة الحقائق أو يستخدمها لتبرير التعميم والتخوين.

ثامناً: إلى أين يمكن أن تتجه الأزمات؟

يمكن تصور ثلاثة مسارات عامة لتطور الاحتجاجات، من دون اعتبار أي منها نتيجة حتمية.

المسار الأول: التهدئة عبر الحوار والإصلاح

تزداد فرص هذا المسار عندما تُفتح قنوات تواصل جدية، وتُعالج المطالب ذات الأولوية، وتُعلن إجراءات واضحة بمواعيد تنفيذ ومؤشرات يمكن متابعتها.

المسار الثاني: استمرار الاحتجاجات واتساع المطالب

قد يحدث ذلك عندما تبقى أسباب الاستياء قائمة، أو عندما لا تتجاوز الاستجابة الوعود العامة، أو عندما تتراجع الثقة بإمكانية تحقيق نتائج ملموسة عبر الحوار.

المسار الثالث: التصعيد وتراجع فرص التسوية

قد ينشأ هذا المسار عندما تتراكم المظالم من دون معالجة، وتتقلص قنوات التواصل، وتقع مواجهات أو أعمال عنف تزيد الاستقطاب وتضعف فرص التفاهم.

وتبقى هذه المسارات احتمالات تحليلية، لا تنبؤات مؤكدة. ويتوقف تقييمها على الوقائع في كل حالة، وعلى سلوك الأطراف المعنية، ومدى استعدادها للحوار ومعالجة أسباب التوتر.

خاتمة: لا استقرار بلا عدالة، ولا إصلاح بالعنف

إن الاحتجاجات الشعبية ليست ظاهرة يمكن تفسيرها بسبب واحد أو التعامل معها بحل واحد. فقد تكون انعكاساً لضغوط اقتصادية، أو أزمة ثقة، أو شعور بغياب العدالة، أو نتيجة تفاعل هذه العوامل مجتمعة. ولذلك، فإن فهمها يبدأ بالاستماع إلى المطالب، والتحقق من الوقائع، والتمييز بين الأسباب الحقيقية والشائعات والاتهامات غير المثبتة.

إن المطالبة بالحقوق المشروعة ليست دعوة إلى الفوضى، كما أن رفض العنف لا يعني إسكات أصوات الناس أو التقليل من معاناتهم. فالاحتجاج السلمي وسيلة للتعبير عن المطالب، وحماية الأرواح والممتلكات مسؤولية مشتركة، فيما تقع على عاتق المؤسسات مسؤولية الاستماع إلى المواطنين ومعالجة أسباب الغضب بجدية وعدالة.

وفي المقابل، لا يمكن أن يكون العنف أو التخريب طريقاً إلى إصلاح مستدام؛ فالإضرار بالممتلكات العامة والخاصة، أو تعريض الأرواح للخطر، لا يحل الأزمات، بل قد يضاعف أعباءها ويزيد الانقسام داخل المجتمع.

إن تجاوز الأزمات يتطلب شفافية في القرار، ومساءلة عن التقصير، وحواراً جدياً، وإجراءات عملية تخفف الأعباء عن المواطنين وتحمي حقوقهم، إلى جانب التزام جميع الأطراف بالوسائل السلمية واحترام القانون.

فالأوطان لا تُبنى بإسكات أصوات الناس، ولا تُحمى بتدمير مقدراتها؛ بل تُصان بالعدالة والمسؤولية والحوار، وبقدرة المؤسسات والمجتمعات على تحويل الغضب إلى فرصة للإصلاح، والخلاف إلى مساحة للتفاهم، والمطالب المشروعة إلى خطوات عملية قابلة للتحقق.

بقلم الإعلامي عبد الرحمن أبو قاسم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى