مقالات الرأي

الموت الأبيض في السودان كيف تحول صمت المدافع إلى مصيدة جوع صامتة؟

الانهيار في زمن السكون

الانهيار في زمن السكون

خلف ستار الهدوء النسبي الذي يلف بعض الجبهات الميدانية في السودان، تتبلور معضلة وجودية بالغة التقاطعات، تختزلها عبارة متداولة بين السكان بمرارة لا تخلو من الصدمة: «الوضع أيام الحرب كان أفضل معيشيًا».

إن هذه المفارقة السلوكية والنفسية لا تمثل بأي حال من الأحوال تصالحًا مع العنف أو حنينًا لزمن القذائف، بل إدانة بنيوية لواقع ما بعد التهدئة، حيث يكتشف المواطن السوداني أن صمت البنادق لم يكن بوابته نحو الحياة، بل كان لحظة كشف عارية عن جوع ممنهج وعزلة معيشية طاحنة، تفوق في قسوتها عشوائية الموت بالقصف.

تفكيك البنية التكافلية والرماد الاقتصادي

إن الغوص في أعماق هذه المفارقة يكشف عن تحولات جذرية في نسيج المجتمع واقتصاده الموازي.

تصدّع التضامن العضوي الفطري:

في ذروة الصدام المسلح، استدعى المجتمع السوداني مخزونه القيمي والتاريخي عبر التكايا وغرف الطوارئ المحلية، مشكّلًا شبكة أمان عفوية قاومت المجاعة الشاملة. ومع تراجع حدة المعارك، أُصيبت هذه المنظومات الأهلية بـ«أنيميا التمويل» وتشتت الكوادر المتطوعة، مما تسبب في فراغ مؤسساتي واجتماعي قاتل، ترك الفئات الهشة بلا مصدّات تحميها من السقوط الحر في غيابات العوز.

التعطيل الهيكلي لأدوات الإنتاج:

لم تفلح التهدئة في إعادة إحياء الدورة الاقتصادية؛ فالأراضي الزراعية باتت حقولًا مهجورة نتيجة التدمير الممنهج لمدخلات الإنتاج، والمصانع تحولت إلى ركام، في حين تعاني الأسواق من جمود مالي وتآكل قيمة العملة وشلل تام في القوة الشرائية. وقد حوّل غياب السيولة السلع المتاحة إلى «أشباح» يعجز المواطن عن الوصول إليها.

انكفاء المنظومة الإغاثية الدولية:

تواجه المناطق التي غادرت مربع العمليات العسكرية المباشرة نوعًا من الإهمال أو التناسي الإنساني، حيث تتباطأ الاستجابة الدولية وتتعثر سلاسل الإمداد بفعل العقبات البيروقراطية والأمنية، ليجد المواطن نفسه ضحية لمعادلة صفرية: أمان في السماء… وسحق كامل على الأرض.

إن هذا التباين البنيوي يعيد تعريف مفهوم «الأمان»؛ فالموت الذي كان يأتي في ذروة الحرب بغتة وبعنف، استُبدل في زمن الصمت بآلية استنزاف بطيئة، تقضم كرامة الإنسان وجسده يومًا بعد آخر.

الخاتمة: الجوع لا ينتظر خطط التعافي

في المحصلة، يتضح أن القول بأن الوضع أيام الحرب كان أفضل معيشيًا لا ينبع من الرغبة في استمرار الدمار، بل هو صرخة واقعية تعكس خطورة الفجوة التي تركتها التكايا بعد توقفها.

إن تراجع شبكات التضامن التلقائي، مع بقاء تعطل عجلة الإنتاج والزراعة، وضع المواطن السوداني أمام تحدٍّ وجودي، يثبت أن صون الكرامة واستعادة الأمن الغذائي يتطلبان خطة إنقاذ عاجلة وضخًّا للمساعدات، يعيد للناس قدرتهم على كسب عيشهم بأيديهم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى