مقالات الرأي

لولا ينتصر.. واليسار يستعيد زمام المبادرة

بقلم / ناصر سعيد

فوز لويز إيناسيو لولا دا سيلفا في الانتخابات الرئاسية البرازيلية لم يكن مجرد تداول للسلطة، بل كان تعبيرا عن صراع سياسي أعمق حول مستقبل البرازيل وأمريكا اللاتينية؛ صراع بين مشروع السيادة والاستقلال والعدالة الاجتماعية، ومشروع اليمين المتطرف المرتبط بالتبعية الاقتصادية والسياسية ومراكز النفوذ الخارجية.

لقد قالت قطاعات واسعة من الشعب البرازيلي كلمتها “لا للعودة إلى سياسات اليمين المتطرف، ولا لتحويل البرازيل إلى تابع في منظومة الهيمنة الأمريكية، ولا للتخلي عن العدالة الاجتماعية لصالح مصالح الأقلية”.

وتتجاوز دلالة الانتصار حدود البرازيل، عودة لولا تمنح قوى اليسار والتقدم في أمريكا اللاتينية دفعة سياسية جديدة، وتعيد إلى الواجهة تقليدا نضاليا يرى أن استقلال القرار الوطني شرط لأي ديمقراطية حقيقية، وأن التنمية لا يمكن أن تقوم على التبعية، وأن العلاقات بين الدول يجب أن تقوم على الندية لا على منطق السيد والتابع.

وتكتسب هذه الدلالة وزنا أكبر في ظل التحولات الدولية الجارية، وفي ظل اتساع الرفض الشعبي للسياسات الاستعمارية والصهيونية، خصوصا تجاه فلسطين، فقد أثبتت أمريكا اللاتينية أن التضامن مع الشعب الفلسطيني يمكن أن يكون جزءا من رؤية أوسع لمقاومة الاستعمار والاحتلال والهيمنة، والدفاع عن حق الشعوب في تقرير مصيرها.

ومن هنا تلتقي معركة أمريكا اللاتينية مع معركة العالم العربي، فليبيا، التي دفعت ثمنا باهظا للتدخل الخارجي وانتهاك سيادتها، تعرف أن أخطر ما يمكن أن تفقده الدولة هو قرارها الوطني، وما جرى في ليبيا يقدم درسا واضحا، “حين يصبح القرار الوطني رهينة للخارج، تتحول الشعارات عن الديمقراطية وحقوق الإنسان إلى أدوات في صراع النفوذ”.

لكن انتصار لولا ليس نهاية المعركة، فاليمين ما زال قويا، ومراكز القوة الاقتصادية والإعلامية لن تتخلى بسهولة عن نفوذها، لذلك فإن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد الانتخابات: هل يستطيع اليسار تحويل الانتصار الانتخابي إلى مشروع وطني يعزز السيادة، ويواجه التفاوت الاجتماعي، ويعيد للبرازيل دورها المستقل في العالم؟

هذه هي المسألة الأساسية.

فالعالم يدخل مرحلة إعادة تشكيل لموازين القوى، والشعوب التي عانت طويلا من الهيمنة والتدخلات الخارجية ترفض أن تبقى مجرد ساحات لصراعات الآخرين، ومن أمريكا اللاتينية إلى فلسطين، ومن إفريقيا إلى العالم العربي، يتقدم مطلب واحد: امتلاك القرار الوطني ورفض الوصاية.

لهذا فإن فوز لولا يمثل انتصارا سياسيا ومعنويا لليسار وقوى التحرر الوطني و المناهضة للإمبريالية والصهيونية، لكنه قبل ذلك رسالة واضحة “الشعوب قادرة على إسقاط مشاريع اليمين والتبعية عندما تمتلك إرادتها وتنظم قوتها”.

لقد انتصر لولا في الانتخابات، أما المعركة الحقيقية فهي معركة السيادة والعدالة والاستقلال….وهذه معركة لم تنته.!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى