
بسم الله نبدأ ورفع الظلم مبدأ وقول الحق مذهب
الواقع السوري يدفعنا اليوم إلى طرح سؤال مؤلم: هل أصبح السوري مشروع جنازة إلى أجل غير معلوم؟ هل كُتب علينا أن نكون حطباً لنيران الآخرين، بينما تُدفن أحلامنا وأجسادنا واحداً تلو الآخر؟
بعد بحر الدم الذي دفعه السوريون، يبدو أحياناً أن أرخص ما في هذا العالم هو حياتهم. لكل شيء ثمن وقيمة، بينما يموت السوري، ثم يُختصر رحيله في بيان مقتضب أو اعتذار بارد أو حديث عن «خطأ فردي» و«حادثة عرضية»، قبل أن تُطوى الصفحة بانتظار ضحية جديدة.
لقد صرنا نعد قبورنا بدلاً من أن نعد أحلام أبنائنا. أصبح السؤال اليومي: من قُتل اليوم، ومن سيُدفن غداً؟ وكأن الموت تحول من مأساة تهز المجتمع إلى تفصيل معتاد في حياة السوريين.
لم يدفع السوريون نقطة دم أو نقطتين؛ دفعوا بحراً من الدماء. دفنوا شباباً في عمر الورد، وودّعوا أطفالاً لم يعيشوا طفولتهم، وشاهدوا أمهات يتحدثن إلى صور أبنائهن، وآباءً انكسرت ظهورهم من الفقد. تهدمت بيوت، وضاعت أعمار في السجون، وتوزعت العائلات بين المنافي ومخيمات النزوح.
وبعد كل هذه التضحيات، ما زال السوري يسأل عن قيمة حياته، وعن سبب التعامل مع دمه وكأنه رقم إضافي في قائمة طويلة من الضحايا.
ما الذي يجعل حياة مواطن في دولة قوية قادرة على تحريك المؤسسات وفتح التحقيقات واستنفار الرأي العام، بينما يحتاج السوري إلى تقديم مزيد من الدماء كي يسمع أحد صوته؟ ما الناقص في إنسانيتنا؟ وما الذي يجعل حياتنا تبدو أقل قيمة من حياة الآخرين؟
نحن لا نطالب بأن يكون السوري أغلى من غيره، بل بأن تكون حياته مساوية لحياة أي إنسان. له أم تنتظر عودته، وأطفال يحلمون بمستقبل معه، وبيت صغير يريد أن يعود إليه آمناً. من حقه أن يعيش بكرامة، وأن تحميه دولته، وأن تتحرك مؤسساتها عندما يتعرض للقتل أو الاعتداء، داخل البلاد أو خارجها.
ومن هنا يبرز السؤال المباشر الموجه إلى الحكومة السورية: ما معنى وجود الدولة إذا لم يشعر المواطن بأنها تحمي حياته وحقوقه؟ هل تقتصر مهمتها على إصدار بيانات التعزية بعد وقوع المأساة، أم تبدأ مسؤوليتها من منعها والتحقيق فيها ومحاسبة مرتكبيها؟
هيبة الدولة لا تعني أن يخاف المواطن منها، بل أن يخشى المعتدي عدلها وقانونها. وتظهر قوة المؤسسات حين يعرف كل من يفكر في الاعتداء على سوري أن هناك دولة ستتابع قضيته، وتطالب بحقه، وتكشف ملابسات ما جرى، وتضع المسؤول أمام القضاء أياً كان موقعه أو الجهة التي تقف خلفه.
قد تواجه الحكومة ضغوطاً وحسابات سياسية واتفاقات لا يعرف المواطن تفاصيلها، وقد تكون قدرتها على التحرك مقيدة بظروف داخلية وإقليمية معقدة. لكن حياة السوري لا يجوز أن تتحول إلى ورقة تفاوض، ولا يمكن أن تكون دماؤه بنداً ثانوياً في حسابات المصالح.
وفي مقابل مسؤولية الدولة، تبرز مسؤولية المجتمع. فالسوريون ليسوا مجرد متفرجين ينتظرون وصول المأساة إلى أبوابهم، بل هم أصحاب البلد والمعنيون بحماية معنى المواطنة فيه.
ولا تعني الدعوة إلى توحيد الموقف إنشاء جماعات مسلحة أو الانجرار إلى الفوضى والانتقام. المطلوب جبهة من المواقف والضمائر والأصوات، تدافع عن حرمة الدم السوري، وتطالب بالحقيقة والمحاسبة، وترفض أن تضيع حقوق الضحايا بين التبريرات والمصالح.
وعندما نقول «السوري»، فنحن نعني كل سوري، بصرف النظر عن طائفته أو عشيرته أو منطقته أو انتمائه السياسي. لا يجوز أن تتحدد قيمة دم الضحية بحسب قربها منا أو اتفاقها معنا. ومن تثبت عليه جريمة يجب أن يُحال إلى القضاء ويخضع لمحاكمة عادلة، مهما كان منصبه أو نفوذه.
نحن لا نريد استبدال ظالم بظالم، ولا قاتل بقاتل. نريد إنهاء عقلية استباحة الدم السوري، سواء جاءت من الداخل أم الخارج، وإعادة بناء دولة لا يكون فيها القتل وسيلة لتصفية الخلافات، ولا يضيع فيها حق الضحية بسبب هوية الجاني أو انتماء المقتول.
لكن هناك مرضاً خطيراً ما زال ينهش المجتمع السوري: أن يقول كل شخص «اللهم نفسي»، وأن يتعامل مع الضحية وفق هويتها. فإذا كان القتيل من جماعته، ثار وغضب، وإذا كان من جماعة أخرى، بدأ يبحث عن مبررات لمقتله ويسأل عما فعله قبل أن يسأل عمن قتله.
قبل أن تسأل عن طائفة المقتول أو منطقته أو موقفه السياسي، اسأل عن أمه التي كانت تنتظر عودته. تخيل أباه الذي كان يحلم برؤيته عريساً، فإذا به يراه محمولاً على الأكتاف. انظر إلى أطفاله الذين سيكبرون وهم يسألون لماذا غاب والدهم، ومن سيعيد إليهم حقهم.
ليست المأساة في موت السوري وحده، بل في أن موته أصبح خبراً عادياً. بعض التضامن، ومنشورات على وسائل التواصل، وبيان رسمي، ثم ينشغل الجميع بالحادثة التالية، بينما تبقى الأم وحدها تشم ملابس ابنها بحثاً عن رائحته.
متى تصبح نقطة دم واحدة كافية لتحريك ضمير شعب كامل؟ ومتى يصبح الاعتداء على مواطن قضية عامة، بدلاً من أن يبقى شأناً عائلياً أو مناطقياً أو طائفياً؟
لقد بدأت شرارة الثورة السورية بكلمات كتبها أطفال، ثم واجهها النظام بالقمع والقتل. لم تكن الكلمات هي الجريمة، بل كان العنف الذي استُخدم ضد المطالبين بالحرية والكرامة. وبعد سنوات طويلة من الموت والاعتقال والتهجير، كان يفترض أن نتعلم أن تفرقنا يضعفنا، وأن السكوت عن وجع الآخرين لا يحمينا.
إذا بقي كل واحد منا منشغلاً بنفسه، ستستمر دائرة الألم في الدوران من بيت إلى آخر، ومن قرية إلى أخرى، ومن مدينة إلى أخرى. مصيبة اليوم عند غيرك قد تصل غداً إلى بيتك، والأم التي تصرخ اليوم ليست أمك، لكن لا أحد يضمن ألا تكون أمك أو زوجتك أو أختك أو ابنتك هي التي تصرخ غداً.
السكوت لا يوفر الحماية. فالظلم يكبر عندما لا يجد من يواجهه، وعندما يصبح الدم بلا حساب يفقد الجميع إحساسهم بالأمان.
لماذا ثار السوريون ودفعوا أغلى ما لديهم؟ هل كان الهدف تغيير الأسماء والوجوه، مع بقاء قيمة حياة المواطن أقل من قيمة الكراسي والمصالح؟ هل كان المطلوب استبدال سلطة بأخرى، فيما تستمر صناعة الموت ولا يتغير سوى من يوقع شهادات الوفاة؟
لقد اكتفى السوريون من القبور والجنازات وبيانات التعزية. هم بحاجة إلى دولة تحميهم، وعدالة تنصفهم، وقانون يعاقب المعتدي، ومؤسسات يشعرون بكرامتهم في ظلها وهم أحياء.
يجب أن تحرك قطرة دم مظلوم مؤسسات الدولة والمجتمع، وأن تُقابل بالتحقيق والعدالة والمحاسبة، لا أن تتحرك المؤسسات فقط عندما تُمس هيبة مسؤول أو مصالح صاحب نفوذ.
ليس معقولاً أن يبقى السوري حطباً يتدفأ الآخرون على احتراقه، بينما يعيش هو خائفاً على أبنائه. وليس مقبولاً أن يبقى الشاب السوري مشروع شهيد، والأم السورية مشروع حزن، والطفل السوري مشروع يتيم.
إذا لم نصنع لدم بعضنا قيمة اليوم، فلا ينبغي أن نستغرب عندما يصل الموت إلى أبواب بيوتنا، وحينها قد لا نحصل حتى على اعتذار أو بيان تعزية.
ارحموا دماء بعضكم؛ فالدم الذي لا ندافع عن حرمته اليوم قد يكون غداً دم أعز الناس إلى قلوبنا. وإذا لم تعلّمنا كل هذه التضحيات قيمة الإنسان، فلن تكون المصيبة فقط في الذين قتلونا، بل في اعتيادنا أن ندفن بعضنا ثم نواصل حياتنا كأن شيئاً لم يحدث.
لقد ثرنا كي نوقف صناعة الموت بكل أشكالها وأساليبها، لا كي نغيّر الجهة التي توزع شهادات الوفاة



