مقالات الرأي

القمة الروسية الأفريقية وصراع النفوذ الدولي

بقلم : محمد الأمين عبد النبي

انعقدت القمة الروسية الأفريقية الثالثة في موسكو يومي 28 و29 أكتوبر، بمشاركة أكثر من عشرين زعيماً أفريقياً، في سياق دولي يتسم بتصاعد التنافس بين القوى الكبرى على النفوذ السياسي والاقتصادي والعسكري. وتسعى موسكو إلى توطيد علاقاتها مع الدول الأفريقية وتقديم نفسها شريكاً في بناء نظام دولي متعدد الأقطاب في مواجهة الهيمنة الغربية. غير أن فهم دلالات القمة يتطلب تجاوز الخطاب السياسي عن العودة الروسية إلى أفريقيا وتحليل المصالح الفعلية التي تحكم تحركات موسكو، ومقارنتها بأدوات النفوذ التي تمتلكها الصين والولايات المتحدة وانعكاسات هذا التنافس على استقلال القرار الأفريقي.

تواجه روسيا ضغوطاً اقتصادية واستراتيجية متزايدة بفعل العقوبات الغربية وتداعيات الحرب في أوكرانيا ما يدفعها إلى توسيع علاقاتها خارج أوروبا والبحث عن أسواق جديدة ومصادر لتعزيز حضورها الدولي. وتمثل أفريقيا مجالاً مهماً لهذه الاستراتيجية خاصة في مجالات التسليح والتدريب العسكري والطاقة والتعدين والتعاون الدبلوماسي. لكن الحضور الروسي على أهميته في بعض الدول لا يعادل النفوذ الاقتصادي الصيني الذي يستند إلى التجارة والاستثمارات والبنية التحتية والتمويل والتصنيع، ولا يمتلك الأدوات المالية والتكنولوجية الواسعة التي تتيح للولايات المتحدة التأثير في قطاعات متعددة من الاقتصادات الأفريقية.

وتتقاطع المصالح الروسية والصينية في الحد من النفوذ الغربي وتوسيع دور القوى الصاعدة عبر أطر مثل مجموعة بريكس والتعاون الثنائي. لكن هذا التقاطع لا يعني تطابق المصالح؛ فالصين تسعى أساساً إلى تأمين مصالحها التجارية والاقتصادية والاستراتيجية بعيدة المدى، بينما يبرز التعاون العسكري والأمني في جانب مهم من التحركات الروسية. أما الولايات المتحدة فتواصل توظيف علاقاتها الأمنية والاقتصادية والدبلوماسية في منافسة بكين وموسكو، رغم التباين في أولوياتها وسياساتها تجاه الدول الأفريقية. وهكذا تتجه القارة إلي إعادة توزيع للنفوذ مع استمرار اختلال علاقات القوة لمصلحة الأطراف الخارجية.

وتتمثل المخاطرة الأساسية في أن يتحول التنافس الدولي إلى إعادة إنتاج التبعية الأفريقية بصيغ جديدة. فتنويع الشركاء لا يحقق الاستقلال الاقتصادي ما دامت الدول تعتمد على تصدير المواد الخام وتستورد السلع المصنعة والتكنولوجيا وتبرم اتفاقيات لا تضمن نقل المعرفة أو بناء القدرات الإنتاجية المحلية. 

ويقدم السودان مثالاً بالغ الأهمية على هذه التحديات. فالحرب المستمرة منذ أبريل 2023، وما ترتب عليها من انهيار واسع في مؤسسات الدولة وتدهور الأوضاع الإنسانية وتزايد التدخلات الخارجية تجعل البلاد عرضة لتحول موقعها الجغرافي ومواردها الطبيعية إلى أدوات في صراع النفوذ الإقليمي والدولي. 

وتكتسب علاقات السودان مع روسيا أهمية خاصة بالنظر إلى موقعه على البحر الأحمر، وموارده المعدنية، وإمكاناته الزراعية، فضلاً عن الاهتمام الروسي السابق بإقامة قاعدة بحرية في بورتسودان. وفي المقابل، تتداخل في الأزمة السودانية مصالح قوى إقليمية ودولية أخرى بما فيها الولايات المتحدة والصين وإن اختلفت أدواتها وأولوياتها.

ولا يكمن التحدي السوداني في اختيار موسكو أو واشنطن أو بكين، وإنما في منع توظيف الحرب والانقسام الداخلي لإقامة علاقات غير متكافئة أو ربط مستقبل البلاد بترتيبات أمنية واقتصادية تخدم مصالح خارجية على حساب احتياجات السودانيين. ويتطلب ذلك وقف الحرب، واستعادة المسار السياسي المدني، وبناء مؤسسات وطنية خاضعة للمساءلة، وإخضاع الاتفاقيات المتعلقة بالموارد والموانئ والتعاون العسكري لرقابة قانونية ومؤسسية شفافة. فالدولة المنقسمة والسلطة التي تستمد بقاءها من الدعم الخارجي لا تمتلكان القدرة الكافية على التفاوض من موقع الندية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى