
أسدل الستار على أحد أكبر المشاريع الدفاعية الأوروبية المشتركة بعد اتفاق فرنسا وألمانيا على وقف العمل بمشروع تطوير مقاتلة أوروبية من الجيل الجديد، والذي كان يُنظر إليه باعتباره حجر الزاوية في مساعي القارة لتعزيز استقلالها العسكري والتكنولوجي.
وبحسب تقارير إعلامية، جاء القرار بعد سنوات من التعثر والخلافات بين الشركاء الصناعيين المشاركين في المشروع، الذي قُدرت تكلفته بنحو 100 مليار يورو، دون أن يتمكن من تحقيق تقدم حاسم منذ إطلاقه قبل نحو ثمانية أعوام.
وأفادت مصادر ألمانية بأن المستشار الألماني Friedrich Merz والرئيس الفرنسي Emmanuel Macron توصلا إلى قناعة مشتركة بأن الشركات المكلفة بتنفيذ مشروع “نظام القتال الجوي المستقبلي” لم تنجح في تجاوز الخلافات التقنية والإدارية التي أعاقت مسار البرنامج.
نهاية مشروع الطائرة.. واستمرار المنظومة الدفاعية
ورغم التخلي عن تطوير المقاتلة المشتركة بصيغتها الحالية، تشير المعلومات إلى أن بعض المكونات الأساسية للمشروع الأوروبي ستستمر ضمن إطار أوسع يشمل تطوير أنظمة قتالية متكاملة تضم الطائرات المسيّرة ومنصات القيادة والتحكم والتقنيات المرتبطة بالحروب الجوية المستقبلية.
ويمثل القرار انتكاسة لجهود الاتحاد الأوروبي الرامية إلى بناء قدرات دفاعية أكثر استقلالية، خصوصاً في ظل المتغيرات الأمنية الدولية وتزايد الدعوات الأوروبية لتقليل الاعتماد على المظلة العسكرية الأميركية.
صراع على القيادة بين داسو وإيرباص
وكانت الخلافات بين شركتي Dassault Aviation الفرنسية وAirbus الأوروبية من أبرز الأسباب التي عرقلت المشروع، حيث تمسكت كل جهة بدور أكبر في قيادة البرنامج وتحديد مساره التقني.
وطالبت الشركة الفرنسية بمنحها صلاحيات أوسع في إدارة المشروع، مستندة إلى خبرتها الطويلة في تطوير الطائرات المقاتلة، وعلى رأسها المقاتلة الشهيرة Dassault Rafale، في حين تمسكت إيرباص بمبدأ الشراكة المتوازنة وتقاسم المسؤوليات.
مشروع وُلد في ظروف سياسية استثنائية
وأُطلق البرنامج عام 2017 بمبادرة مشتركة بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشارة الألمانية السابقة Angela Merkel، في مرحلة شهدت تحولات سياسية كبيرة داخل أوروبا، أبرزها خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وصعود دعوات تعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية المستقلة.
وكان المشروع يُنظر إليه باعتباره رمزاً للتكامل الأوروبي في الصناعات العسكرية، وامتداداً للنجاحات السابقة التي حققتها برامج مثل Eurofighter Typhoon، ورافال الفرنسية، ومقاتلة Saab JAS 39 Gripen السويدية.
ضربة لطموحات الدفاع الأوروبي
ويرى مراقبون أن فشل المشروع يكشف حجم التحديات التي تواجه المبادرات الدفاعية المشتركة داخل أوروبا، خاصة عندما تتقاطع المصالح الوطنية مع المنافسة الصناعية والتكنولوجية.
كما يثير القرار تساؤلات حول مستقبل التعاون العسكري الأوروبي في المشاريع الاستراتيجية الكبرى، في وقت تسعى فيه القارة إلى تعزيز جاهزيتها الدفاعية وتطوير أنظمة قتالية متقدمة قادرة على مواكبة التطورات العالمية في مجالات الطيران والذكاء الاصطناعي والحروب الحديثة.
ورغم انتهاء مشروع المقاتلة بصورته الحالية، فإن الجهود الأوروبية لتطوير منظومات دفاعية مشتركة لا تزال مستمرة، وسط توقعات بإعادة صياغة بعض مكونات البرنامج ضمن مشاريع جديدة أكثر توافقاً مع المصالح الصناعية والسياسية للدول



