
في خضم التحولات المتسارعة التي تشهدها سوريا، ولا سيما في الجنوب السوري، من الضروري تجاوز القراءات التقليدية التي تختزل الاحتجاجات الشعبية في كونها مجرد ضغط وطني عاطفي على إسرائيل، أو تعتبرها بالضرورة مقدمة لمواجهة قد تستنزف قدراتها العسكرية. فالمشهد أكثر تعقيداً من ذلك، وتحيط به حسابات سياسية وأمنية واجتماعية متشابكة، تستدعي قراءة استراتيجية تتجاوز الشعارات إلى تحليل المصالح والنتائج المحتملة.
إن السؤال الجوهري ليس فقط: هل تشكل الاحتجاجات الشعبية تهديداً لإسرائيل؟ بل أيضاً: من يستفيد من هذه الاحتجاجات؟ وهل تتحول إلى قوة ضغط حقيقية، أم يجري احتواؤها وتوظيفها ضمن معادلات سياسية لا تحقق بالضرورة تطلعات السوريين؟
لذلك، فإن السؤال الأدق ليس ما إذا كانت إسرائيل تصنع التهديد الذي تخشاه بالضرورة، بل ما إذا كانت سياساتها قادرة على تحقيق أمن مستدام، أم أنها قد تنجح في فرض ترتيبات ميدانية مؤقتة على حساب الاستقرار السياسي والاجتماعي.
فالسيطرة على الأرض لا تعني بالضرورة السيطرة على النتائج، والتفوق العسكري لا يمنح صاحبه قدرة مطلقة على تحديد مستقبل المجتمعات التي يتعامل معها.
رابعاً: وهم الشرعية الوطنية وحدود توظيف القضية الخارجية
لا تمنح الشعارات المناهضة لإسرائيل أي سلطة شرعية تلقائية، كما لا يجوز اعتبار كل تحرك شعبي يرفع شعارات وطنية مجرد وسيلة لتغطية الإخفاقات الداخلية.
فالشرعية السياسية لا تُبنى بالشعارات وحدها، وإنما تقوم على حماية المواطنين، وتحقيق العدالة، وتوفير الخدمات، وصون الحقوق، وتعزيز المشاركة السياسية، واحترام كرامة الإنسان وسيادة القانون.
وقد تكون القضية الخارجية حاضرة بقوة في الوعي الشعبي، لكنها لا تلغي حق السوريين في المطالبة بدولة فاعلة ومؤسسات مسؤولة وقرارات وطنية مستقلة.
وفي المقابل، فإن اختزال كل حراك وطني في كونه مؤامرة أو تنفيساً منظماً قد يؤدي إلى تجاهل الدوافع الحقيقية للناس، وإنكار قدرتهم على التعبير المستقل عن مخاوفهم وتطلعاتهم.
إن المعيار الأهم هنا هو استقلال القرار الشعبي، وقدرة المجتمع على الجمع بين رفض التدخل الخارجي والمطالبة بإصلاح الداخل، بعيداً عن التخوين والتوظيف السياسي.
فلا ينبغي وضع السوريين أمام خيار زائف: إما الاعتراض على التدخلات الإسرائيلية، وإما المطالبة بمحاسبة السلطة وتحسين الأوضاع الداخلية. فالموقف الوطني المتكامل هو الذي يرفض انتهاك السيادة، ويتمسك في الوقت نفسه بحق المواطنين في العدالة والكرامة والمساءلة.
خامساً: الاحتجاجات بين التأثير الشعبي والنتائج الاستراتيجية
من الخطأ قياس قيمة الاحتجاجات الشعبية بقدرتها على تغيير المعادلات العسكرية بصورة فورية. فالحراك السلمي قد لا يوقف توغلاً عسكرياً في لحظته، لكنه يستطيع أن يسهم في تغيير البيئة السياسية التي تتحرك ضمنها الأطراف المختلفة.
ويتوقف هذا التأثير على مجموعة من العوامل، أبرزها استمرار الحراك، واستقلاليته، وقدرته على الحفاظ على طابعه السلمي، وتوثيق الانتهاكات بصورة موثوقة، وتحويل المطالب إلى مسارات سياسية ودبلوماسية واضحة.
ويمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية لمستقبل الجنوب السوري:
المسار الأول: احتواء الاحتجاجات. ويحدث عندما تبقى التحركات الشعبية محدودة التأثير، ولا تتحول إلى ضغط سياسي أو دبلوماسي قادر على تغيير الواقع الميداني، فتستمر الترتيبات القائمة مع بقاء أسباب التوتر.
المسار الثاني: تحوّل الحراك إلى قوة ضغط وطنية. ويتحقق عندما تتكامل المطالب الشعبية مع موقف وطني جامع، وجهد دبلوماسي منظم، وتوثيق للانتهاكات، وقدرة مؤسسات الدولة على تمثيل مصالح السوريين والدفاع عنها.
المسار الثالث: تفاقم الانقسام الداخلي. وهو الأخطر، إذ تتداخل الأزمات المعيشية مع التدخلات الخارجية والتوترات المحلية، فتتراجع الثقة بالمؤسسات وتتسع المساحات المتاحة للقوى الخارجية للتأثير في مستقبل المنطقة.
هذه المسارات ليست تنبؤات مؤكدة، وإنما احتمالات تحليلية تتوقف على تطورات الواقع الميداني، ومواقف القوى الإقليمية والدولية، وقدرة السوريين على حماية وحدتهم الوطنية.
سادساً: ما الذي تحتاج إليه سوريا لمواجهة هذه التحديات؟
إن مواجهة التدخلات الخارجية لا تتحقق بالشعارات وحدها، ولا بالانجرار إلى مواجهات غير محسوبة، بل ببناء دولة قادرة على حماية مواطنيها وصون سيادتها واستعادة ثقة المجتمع بمؤسساتها.
وتبدأ هذه العملية بتعزيز وحدة القرار الوطني، وتطوير المؤسسات، وتحسين الخدمات، وتحقيق العدالة، وضمان مشاركة السوريين بمختلف مكوناتهم في صياغة مستقبل البلاد.
كما تتطلب اعتماد سياسة دبلوماسية فاعلة تستند إلى القانون الدولي، وتوثيق الانتهاكات، وتوظيف العلاقات الإقليمية والدولية للدفاع عن وحدة الأراضي السورية وحقوق سكانها.
فكلما كانت الدولة أكثر عدالة وكفاءة، وكان المجتمع أكثر تماسكاً وثقة بمؤسساته، تقلصت قدرة الأطراف الخارجية على استغلال الانقسامات الداخلية أو فرض ترتيبات تتعارض مع المصالح الوطنية.
وفي المقابل، فإن استمرار ضعف المؤسسات وتراجع الثقة بين المجتمع والسلطة قد يفتح المجال أمام تدخلات متعددة، ويجعل المناطق الحدودية عرضة لمعادلات تتجاوز إرادة سكانها.
الخلاصة: بين فخ الاستدراج وبناء الإرادة الوطنية
إن المشهد في جنوب سوريا لا يمكن اختزاله في رواية واحدة؛ فالاحتجاجات ليست بالضرورة أداة بيد السلطة، كما أنها ليست بالضرورة قادرة وحدها على تغيير الحسابات الإسرائيلية. وإسرائيل، رغم تفوقها العسكري، لا تستطيع ضمان الاستقرار طويل الأجل بمجرد فرض وقائع ميدانية بالقوة.
إن الخطر الحقيقي يكمن في تفاعل التدخل الخارجي مع ضعف الداخل؛ فعندما تتراجع مؤسسات الدولة وتتسع الانقسامات، تصبح السيادة أكثر عرضة للانتقاص، وتزداد قدرة القوى الخارجية على التأثير في مستقبل البلاد.
أما الرد الأكثر فاعلية، فيتمثل في بناء شرعية وطنية حقيقية، تقوم على دولة عادلة، ومؤسسات مسؤولة، ومجتمع متماسك، وقرار سياسي مستقل، ودبلوماسية قادرة على حماية المصالح السورية.
وبناءً على ذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل السوريين ليس فقط: هل نجحت إسرائيل في احتواء الاحتجاجات؟ بل أيضاً: هل نجح السوريون في تحويل إرادتهم الشعبية إلى قوة وطنية قادرة على حماية سيادتهم، وصون كرامتهم، وبناء مستقبل لا تتحكم فيه التدخلات الخارجية ولا الأزمات الداخلية؟
فالأوطان لا تُحمى بالشعارات وحدها، ولا تُبنى بتأجيل الاستحقاقات، وإنما بإرادة شعبية واعية، ودولة قوية بمؤسساتها وعدالتها، وسياسة تدرك أن الأمن الحقيقي لا ينفصل عن الاستقرار والكرامة والسيادة.
سامي الظاهر الملحم الجبوري
صحفي وإعلامي
أولاً: بين الوطنية الجامعة وتنفيس الاحتقان الداخلي
قد تلجأ بعض السلطات، خصوصاً في المراحل الانتقالية التي تتسم بالهشاشة السياسية والاقتصادية، إلى توظيف القضايا الخارجية في إعادة ترتيب الأولويات العامة، وتوجيه اهتمام الشارع نحو التهديدات الخارجية بدلاً من التركيز حصراً على الأزمات الداخلية.
وفي هذا السياق، يمكن طرح فرضية أن تتحول الاحتجاجات ذات الشعارات الوطنية إلى صمام أمان يخفف الضغط الشعبي الناجم عن تراجع الخدمات، والأزمات المعيشية، وتعثر معالجة الملفات الداخلية.
لكن من الضروري التمييز بين الاحتجاج الشعبي المستقل، والاحتجاج الذي تستثمره السلطة سياسياً، والاحتجاج الذي يجري توجيهه أو تنظيمه بصورة متعمدة. فاستفادة جهة سياسية من حراك شعبي لا تعني بالضرورة أنها صنعته، كما أن رفع شعارات وطنية لا يثبت أن الحراك مجرد أداة لتنفيس الغضب.
ومن هنا، فإن المعيار الحقيقي ليس طبيعة الشعارات وحدها، بل مدى استقلالية الحراك، وقدرته على التعبير عن إرادة الناس، وتحويل مطالبهم إلى نتائج سياسية ملموسة، من دون أن يصبح غطاءً لتأجيل الاستحقاقات الداخلية.
فالوطنية الحقيقية لا تتعارض مع المطالبة بالعدالة وتحسين الخدمات ومحاسبة المقصرين، كما أن مواجهة التدخلات الخارجية لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة لإعفاء أي سلطة من مسؤولياتها تجاه مواطنيها.
ثانياً: جنوب سوريا في الحسابات الإسرائيلية.. الأمن قبل القبول الشعبي
عند النظر إلى السلوك الإسرائيلي في جنوب سوريا، تبرز فرضية أساسية مفادها أن الاعتبارات الأمنية والعسكرية قد تتقدم على مسألة القبول الشعبي. فإسرائيل لا تحتاج بالضرورة إلى كسب ثقة السكان المحليين حتى تسعى إلى فرض ترتيبات ميدانية تراها ضرورية لأمنها.
ومن هذا المنطلق، يمكن فهم التركيز على المناطق الحدودية، والتحركات العسكرية، والسعي إلى منع وجود قوات أو بنى عسكرية تصنفها إسرائيل على أنها معادية بالقرب من حدودها.
وفي مثل هذه الحسابات، لا يكفي اتساع الاحتجاجات السلمية وحده لتغيير القرار العسكري الإسرائيلي، خصوصاً إذا لم يتحول الحراك إلى ضغط سياسي ودبلوماسي منظم، أو إلى عامل يرفع التكلفة السياسية لاستمرار التدخلات.
لكن التقليل من أهمية الاحتجاجات لأنها لا تمتلك قوة عسكرية يمثل بدوره خطأً في التقدير؛ فالتأثير الشعبي لا يُقاس بالسلاح وحده، بل يمكن أن يتجسد في توثيق الانتهاكات، وتعزيز التضامن المحلي، وتحريك الرأي العام الدولي، ورفع كلفة السياسات التي تستهدف السيادة السورية.
وهنا يكمن الفارق بين القدرة على فرض واقع ميداني بالقوة، والقدرة على ضمان استقراره واستدامته. فقد تنجح القوة العسكرية في تحقيق مكاسب تكتيكية، لكنها لا تضمن بالضرورة قبول المجتمع المحلي بها، ولا تمنع تراكم أسباب التوتر على المدى البعيد.
ثالثاً: هل تصنع إسرائيل التهديد الذي تسعى إلى منعه؟
تطرح هذه المسألة واحدة من أبرز المفارقات الاستراتيجية في الصراع: هل يمكن أن تؤدي السياسات التي تُبرَّر باعتبارات الأمن إلى إنتاج بيئة أكثر عداءً وعدم استقرار؟
إن استمرار التوغلات العسكرية، وفرض الوقائع الميدانية، وتقييد حياة السكان، وما قد يرافق ذلك من أضرار أو انتهاكات، يمكن أن يعمق الشعور بالظلم ويضعف فرص بناء علاقة مستقرة بين السكان والجهة التي تمارس هذه السياسات.
ومن ثم، قد تتحول الإجراءات التي تحقق مكاسب أمنية قصيرة الأجل إلى عوامل تزيد الاحتقان وتضعف فرص الاستقرار طويل الأجل.
غير أن الإنصاف التحليلي يقتضي عدم تحويل هذه الفرضية إلى حقيقة حتمية؛ فليس كل تدخل خارجي يؤدي بالضرورة إلى مقاومة منظمة، وليس كل شعور بالظلم يتحول تلقائياً إلى تهديد عسكري. فقد تؤدي الضغوط أيضاً إلى النزوح والانقسام والخوف، أو تدفع السكان إلى إعطاء الأولوية لتأمين احتياجاتهم اليومية.


