الإعلام والصحافة وصناع المحتوى أمام اختبار المصداقية في العصر الرقمي
لم يعد السؤال اليوم: من يستطيع أن ينشر؟ بل أصبح السؤال الأكثر أهمية: من يستحق أن نصدقه؟
نعيش في زمن يستطيع فيه أي شخص أن يحمل هاتفه المحمول ويلتقط صورة أو يسجل مقطعاً وينشره خلال ثوان ليصل إلى ألاف وربما ملايين الأشخاص وبين خبر عاجل ومنشور على منصة اجتماعية ومقطع فيديو قصير ورأي شخصي يتحول فجأة إلى قضية رأي عام أصبحت الحدود بين الصحفي والإعلامي وصانع المحتوى أكثر تداخلا من أي وقت مضى
وهنا تبدأ واحدة من أكبر معارك العصر الرقمي: معركة الحقيقة والمصداقية
الصحافة لم تعد تملك الخبر وحدها
لسنوات طويلة كانت المؤسسات الصحفية والإذاعات والقنوات التلفزيونية هي البوابة الرئيسية التي يعبر منها الخبر إلى الجمهور أما اليوم فقد تغيرت المعادلة جذرياً
أصبح المواطن شاهدا وناقلاً وأصبح صانع المحتوى منافساً للمؤسسة الإعلامية في الوصول إلى الجمهور وأصبحت منصات التواصل الاجتماعي ساحات مفتوحة تتحرك فيها المعلومات بسرعة هائلة
هذا التحول ليس بالضرورة تهديداً للصحافة بل يمكن أن يكون فرصة تاريخية لإعادة تعريف دور الصحفي
فالصحفي في المستقبل لن تكون قيمته في كونه أول من ينشر المعلومة فقط وإنما في قدرته على التحقق منها وفهم سياقها وتحليلها والتمييز بين الحقيقة والتضليل
صانع المحتوى.. من الترفيه إلى صناعة الرأي العام
لم يعد من المنصف النظر إلى صانع المحتوى الرقمي باعتباره شخصاً يقدم الترفيه فقط
هناك اليوم صناع محتوى يناقشون الاقتصاد والسياسة والثقافة والتكنولوجيا والمجتمع والتعليم وبعضهم يمتلك جمهوراً يفوق جمهور مؤسسات إعلامية عمرها عشرات السنوات
وهذه القوة تفرض مسؤولية
فكلما اتسعت دائرة التأثير ازدادت الحاجة إلى الالتزام بالدقة والمهنية واحترام الخصوصية وحقوق الآخرين وعدم تحويل الشائعة إلى حقيقة بحثاً عن المشاهدات
إن ملايين المتابعين قد تمنح الإنسان التأثير لكنها لا تمنحه تلقائياً المصداقية
والمصداقية لا تشترى بعدد المتابعين بل تبنى مع الوقت من خلال المسؤولية والشفافية واحترام عقل الجمهور
الذكاء الاصطناعي يغير قواعد اللعبة
ثم جاءت الثورة الأكبر: الذكاء الاصطناعي
نحن أمام أدوات تستطيع كتابة الأخبار وتلخيص الوثائق وترجمة النصوص وتحليل كميات هائلة من المعلومات وإنشاء الصور والفيديوهات والأصوات بصورة تزداد واقعية يوماً بعد يوم
وهنا يجد الإعلام نفسه أمام مفارقة تاريخية
فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يجعل الصحفي أسرع وأكثر إنتاجية لكنه في الوقت نفسه يستطيع أن يجعل التضليل أكثر احترافاً
ولهذا فإن مستقبل الصحافة لن يكون صراعاً بين الإنسان والآلة وإنما سيكون اختباراً لقدرة الإعلامي على استخدام التكنولوجيا دون التخلي عن جوهر المهنة
فالآلة تستطيع إنتاج النص لكنها لا تتحمل المسؤولية الأخلاقية عن نشره المسؤولية تبقى على الإنسان
السرعة ليست أهم من الحقيقة
أحد أخطر أمراض الإعلام الرقمي هو سباق الوصول أولاً
من ينشر قبل الآخرين؟
من يحصل على المشاهدات؟
من يصنع العنوان الأكثر إثارة؟
ومن يتصدر المنصات؟
لكن الصحافة الحقيقية لا تقاس بعدد الثواني التي سبقت فيها المنافسين إذا كانت المعلومة خاطئة
قد يحتاج بناء الثقة إلى سنوات بينما يمكن لخبر واحد غير موثق أن يهدم جزءاً كبيراً منها خلال دقائق
لذلك يجب أن يعود شعار الإعلام المهني بسيطا وواضحاً
كن دقيقاً قبل أن تكون سريعاً
نحن بحاجة إلى إعلامي جديد
العصر القادم يحتاج إلى نموذج مختلف من الإعلاميين
إعلامي يعرف الصحافة التقليدية لكنه يفهم المنصات الرقمية
يحترم أخلاقيات المهنة لكنه يتقن أدوات الذكاء الاصطناعي
يستطيع صناعة المحتوى لكنه يعرف الفرق بين المحتوى والخبر
يمتلك حضوراً رقمياً لكنه لا يجعل عدد المشاهدات بديلاً عن المهنية
كما يحتاج هذا الإعلامي إلى التطوير المستمر والتدريب وبناء شبكة علاقات مهنية والانفتاح على التجارب الدولية لأن الإعلام الحديث لم يعد محلياً بالمعنى التقليدي فما ينشر اليوم في مدينة صغيرة قد يتحول خلال ساعات إلى قضية يتابعها العالم
المؤسسات المهنية أمام مسؤولية جديدة
هذا التحول يضع المؤسسات والاتحادات والكيانات الإعلامية المهنية أمام مسؤولية كبيرة أيضاً
لم يعد دورها مقتصراً على جمع الصحفيين والإعلاميين تحت مسمى مهني وإنما يجب أن تسهم في تطوير مهاراتهم وتعزيز أخلاقيات العمل الإعلامي وتشجيع التدريب على التقنيات الحديثة وبناء جسور التعاون بين الصحفيين والإعلاميين وصناع المحتوى
ومن هنا تأتي أهمية وجود أطر مهنية قادرة على استيعاب التحولات الجديدة في صناعة الإعلام دون التفريط بالمبادئ الأساسية التي قامت عليها الصحافة: الحقيقة والاستقلالية والمسؤولية وحق المجتمع في الحصول على معلومات موثوقة
من سيكسب المستقبل؟
لن تختفي الصحافة ولن يلغي صانع المحتوى الإعلام التقليدي ولن يحل الذكاء الاصطناعي ببساطة محل الإنسان
لكن شيئاً واحداً سيتغير بالتأكيد:
الجمهور سيصبح أكثر صعوبة في إقناعه
وفي عالم تمتلئ شاشاته بالمعلومات والصور والفيديوهات والأخبار على مدار الساعة ستكون المصداقية هي العملة الأغلى
المستقبل لن يكون بالضرورة لمن يمتلك أكبر منصة ولا لمن يملك ملايين المتابعين ولا حتى لمن ينشر أسرع من الجميع
المستقبل سيكون لمن يستطيع أن يجعل الجمهور يثق به عندما يصبح الشك في كل شيء أمراً طبيعياً
وهنا تكمن المهمة الحقيقية للإعلام والصحافة وصناع المحتوى في المرحلة المقبلة: ألا يكونوا مجرد ناقلين لما يحدث بل حراساً للحقيقة وسط عالم أصبح فيه الجميع قادراً على النشر
بقلم: د. علي محمد العتبي
رئيس الاتحاد الدولي للإعلاميين والصحفيين (UMJI)



