مقالات الرأي

الملعقة الرقمية بين رفاهية التقنية وتلاشي القدوة  

بقلم : المستشارة تهاني التري

لم يشهد التاريخ البشري حقبة تسارعت فيها التغيرات الاجتماعية والنفسية كما نشهدها اليوم. فمع دخولنا عمق عصر الذكاء الاصطناعي والثورة الرقمية، لم تعد التكنولوجيا مجرد أداة لتسهيل الحياة، بل أصبحت شريكاً في التربية، وصياغة القيم، وتشكيل الوعي. وفي خضم هذا التحول، برزت “أزمة الأجيال” كواحدة من أعقد التحديات الإنسانية، حيث اتسعت الهوة بين جيل الآباء الذين نشؤوا على قيم الكدح والمسؤولية، وجيل الأبناء الذي وُلد وفي فمه “ملعقة رقمية” من الرفاهية والامتيازات غير المسبوقة.
مفارقة الرفاهية والمسؤولية والاعتماد على النفس اصبحت في مهب الخوارزميات حيث نشأت الأجيال السابقة في بيئات تتطلب جهداً بدنياً وذهنياً لتحقيق أبسط المنجزات. وكانت “المسؤولية” ممارسة يومية تُصقل بها الشخصية، وكان “الاعتماد على النفس” شرطاً للنجاح والبقاء. استمتاع تلك الأجيال بما لديهم من وسائل ترفيه بسيطة كان يحمل طعماً مختلفاً، لأنه كان يأتي كمكافأة بعد عناء.
 
أما اليوم، وفي ظل هيمنة الذكاء الاصطناعي، يختبر الجيل الجديد مفهوماً مختلفاً تماماً للحياة. لقد وفرت التقنية مستويات استثنائية من الرفاهية والامتيازات؛ فالألعاب لم تعد مجرد تسلية، بل عوالم افتراضية متكاملة تقدم متعة لحظية ومستمرة، لا وبل امتدت لأكثر من ذلك حيث أصبحت مصدر دخل ممتاز لمن يعرف كيف يستفيد من هذا المجال.
اليوم أصبحت الأبحاث المدرسية تُنجز بضغطة زر عبر روبوتات المحادثة، والاحتياجات تُلبى فوراً عبر تطبيقات التوصيل. هذا الانغماس الكلي في “الرفاهية الجاهزة” أدى إلى تراجع حاد في حس المسؤولية ومفهوم الاعتماد على النفس. أصبح الشاب أو المراهق قادراً على الاستمتاع بكل ما لديه من ألعاب وامتيازات، لكنه في المقابل يفتقر إلى “المناعة النفسية” التي تمكنه من مواجهة تحديات العالم الحقيقي ومطباته.
ولا يختلف اثنين أن الفجوة تتفاقم، وفي ظل حوار الطرشان بين الآباء والأبناء جعلت  هذه التحولات السريعة الفجوة اليوم بين الآباء والأبناء تتفاقم يوماً بعد يوم. الآباء يتحدثون بلغة “الواقع، الصبر، بناء المستقبل خطوة بخطوة”، بينما الأبناء يتحدثون بلغة “العالم الافتراضي، السرعة، والإشباع الفوري”.
الذكاء الاصطناعي، بخوارزمياته الدقيقة، يعزل الأبناء في “فقاعات فلترة” (Filter Bubbles) تعرض لهم فقط ما يوافق أهواءهم، مما يبعدهم عاطفياً وفكرياً عن محيطهم الأسري، ويجعل الآباء يقفون عاجزين أمام كائنات تقنية تسحب أبناءهم إلى عوالم لا يفهمونها.
 
ولا ننكر أن غياب القدوة الصالحة يفتح الساحة للتافهين والمنفلتين، ولعل أخطر ما أفرزته هذه الأزمة هو الانهيار في سلم القيم وغياب القدوة الصالحة. قديماً، كانت القدوة تُستمد من الأسرة، أو المعلم، أو المفكر، أو القائد. أما اليوم، فقد أعادت منصات التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي هندسة “النجومية”.
لقد تُركت الساحة للتافهين العابرين، والمنفلتين الذين لا يهابون العقاب، ولا يراعون الآخرين أياً كانوا. الخوارزميات التي تحكم هذه المنصات لا تكترث للأخلاق أو الرصانة، بل تكافئ “الانتشار” (Virality) حتى لو كان مبنياً على الانحطاط والصدمة فأصبح الجميع يلاحق ” الترند ” مهما كان ثمنه او متطلباته المهم الشهرة وإن كانت شهرة سلبية. النتيجة هي أن الأجيال الناشئة باتت تتخذ من هؤلاء المنفلتين “قدوات ومُثلاً عليا”، يقلدونهم في تمردهم غير المبرر، واستهتارهم بالمسؤولية، وسعيهم نحو الثراء السريع والاستعراض الأجوف.

إحصائيات ومقولات تدعم المشهد
لفهم عمق هذه الأزمة، لابد من النظر إلى ما تقوله الأرقام والمفكرون حول هذا التحول الخطير ، حيث أن معدل استهلاك الشاشات وانخفاض التواصل التي تشير إليها تقارير منصات الرصد الرقمي العالمية (مثل DataReportal) إلى أن الجيل (Z) يقضي في المتوسط ما بين 6 إلى 8 ساعات يومياً أمام الشاشات، معظمها على منصات تعتمد على الذكاء الاصطناعي لضمان بقائهم أطول فترة ممكنة، مما يقلص وقت التواصل الأسري الحقيقي إلى أقل من 35 دقيقة يومياًفي بعض المجتمعات.
بالإضافة إلى تأثير المؤثرين (التافهين): أظهرت دراسات حديثة في علم الاجتماع الرقمي أن أكثر من 70% من المراهقين يثقون في توصيات وسلوكيات مشاهير السوشيال ميديا أكثر من ثقتهم في النصائح الموجهة من شخصيات تقليدية أو آبائهم، مما يعكس انتقال سلطة “القدوة” من المنزل إلى شاشة الهاتف.
كما أن هشاشة الصحة النفسية وفقاً لمنظمة الصحة العالمية ادت لارتفاع معدلات القلق والاكتئاب بين المراهقين بنسبة تتجاوز 25% في العقد الأخير، ويربط الأطباء النفسيون ذلك بشكل مباشر بالمقارنات المستمرة في العالم الافتراضي والافتقار إلى مهارات مواجهة الواقع (الاعتماد على النفس).
همسة أخيرة لكل من يبحث عن الأمان والصحة النفسية، إن الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا ليسا شراً مطلقاً، فهما أدوات العصر ولغة المستقبل

ولكن الأزمة تكمن في انعدام التوازن؛ حيث طغت رفاهية الآلة على مسؤولية الإنسان. لسد هذه الفجوة المتفاقمة بين الآباء والأبناء، يجب استعادة دور الأسرة كحائط صد منيع، وإعادة بناء مفهوم “القدوة” بتقديم نماذج حقيقية ومؤثرة تمتلك العمق والأصالة.
 
وعليه لا بد من تعليم الأبناء أن الامتيازات التكنولوجية وألعاب الرفاهية هي وسائل وليست غايات، وأن الحياة الحقيقية تُبنى بالاعتماد على النفس، وتحمل المسؤولية، واحترام قيم المجتمع، لا عبر الجري وراء سراب التافهين العابرين في شاشات لا تعكس الواقع

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى