تغطيات حصرية

المكسيك.. اغتيال 169 صحفياً خلال عقدين والإفلات من العقاب يفاقم المخاطر

الاتحاد الدولي للإعلاميين والصحفيين (UMJI) يؤكد أن حماية الصحفيين ومحاسبة المعتدين عليهم ركيزتان أساسيتان لصون حرية الصحافة وحق الجمهور في المعرفة

الاتحاد الدولي للإعلاميين والصحفيين (UMJI) يؤكد أن حماية الصحفيين ومحاسبة المعتدين عليهم ركيزتان أساسيتان لصون حرية الصحافة وحق الجمهور في المعرفة.

تواجه الصحافة في المكسيك أزمة متواصلة، تتداخل فيها تهديدات الجريمة المنظمة مع الفساد وضعف الاستجابة القضائية. وبحسب المعطيات الواردة في تقرير منظمة «مراسلون بلا حدود»، قُتل 169 صحفياً خلال عشرين عاماً، في حصيلة تعكس حجم المخاطر التي تحاصر العمل الإعلامي، خصوصاً في المناطق التي تنشط فيها الجماعات الإجرامية.

ولا تتوقف خطورة المشهد عند أعداد الضحايا، بل تمتد إلى تعثّر العدالة واستمرار إفلات المسؤولين عن هذه الجرائم من المحاسبة. ففي 168 قضية من أصل 169، لم تُكشف بصورة كاملة هوية من أصدروا أوامر القتل ودوافع الجرائم، رغم صدور أحكام بحق بعض المنفذين المباشرين.

عدالة لا تصل إلى مدبّري الاغتيالات

تكشف هذه المعطيات عن فجوة بين ملاحقة منفذي الاعتداءات والوصول إلى الجهات التي تخطط لها أو تموّلها. فإدانة الجاني المباشر، على أهميتها، لا تنهي الخطر ما دامت الجهات القادرة على إصدار أوامر جديدة بالاستهداف بعيدة عن المساءلة.

ومن بين القضايا التي يسلّط عليها التقرير الضوء مقتل الصحفي إليسيو بارون هيرنانديز، العامل في صحيفة «لا أوبينيون دي توريون»، في ولاية كواهويلا خلال مايو/أيار 2009. ووفق شهادة أحد المشتبه بهم، صدرت أوامر قتله عن قيادي في عصابة «لوس زيتاس»، بهدف ترهيب وسائل الإعلام المحلية. وكان الصحفي يتابع ملفات تهريب المخدرات، ونشر قبل مقتله موضوعاً عن فصل عناصر شرطة متهمين بالفساد.

وتوضح هذه القضية كيف يمكن أن تتحول التغطية الصحفية للشأن المحلي إلى سبب للاستهداف، عندما تكشف مصالح متشابكة بين الجريمة والنفوذ والفساد.

إخفاقات مبكرة تعرقل التحقيقات

ترصد منظمة «بروبويستا سيفيكا»، المعنية بحرية التعبير ودعم أسر الصحفيين، أوجه قصور تبدأ منذ المراحل الأولى للتحقيق. وتشمل فقدان الأدلة أو سوء حفظها، وإهمال مسارات محتملة للوصول إلى الجناة، وعدم دراسة صلة الاعتداء بعمل الضحية بصورة كافية.

ويضاف إلى ذلك ضعف التنسيق بين السلطات، وغياب الإرادة السياسية في بعض الحالات للتحقيق مع جهات نافذة يُشتبه في ارتباطها بالجرائم. وتؤدي هذه الثغرات إلى إضعاف القضايا، وإطالة معاناة الأسر، وتقليص فرص الوصول إلى الحقيقة.

آليات حماية تواجه اختبار الفاعلية

أنشأت المكسيك وحدة متخصصة للتحقيق في الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين عام 2006، ثم وسّعت هذا الإطار عام 2010 بإنشاء مكتب المدعي العام الخاص بجرائم حرية التعبير «FEADLE». كما أطلقت آلية اتحادية للحماية عام 2012.

وبحسب البيانات الحكومية التي ينقلها التقرير، استفاد 701 صحفي من آلية الحماية حتى 31 أغسطس/آب 2026. غير أن استمرار الاعتداءات يطرح تساؤلات بشأن قدرة هذه الإجراءات على منع الجرائم ومعالجة أسبابها.

ورغم ارتفاع أحكام الإدانة من خمسة بين عامي 2006 و2016 إلى 33 حكماً على الأقل خلال العقد التالي، فإن التقدم اقتصر إلى حد كبير على المنفذين المباشرين. وفي المقابل، يشير التقرير إلى زيادة عدد الصحفيين القتلى بنسبة 12% خلال العقد الأخير مقارنة بالعقد السابق.

الصحفيون المحليون في دائرة الخطر

تُظهر الأرقام أن 166 من أصل 169 ضحية كانوا من الصحفيين المحليين، أي نحو 98% من إجمالي القتلى. كما تركزت قرابة نصف جرائم القتل المسجلة في خمس ولايات هي فيراكروز، وأواكساكا، وغيريرو، وشيواوا، وتاماوليباس.

وكان 59% من الضحايا يغطّون قضايا الجريمة المنظمة، بينما تناول 46% منهم موضوعات سياسية، مع إمكان تداخل المجالين في عمل الصحفي الواحد. وتكشف هذه النسب حجم التهديد الذي يواجه من يبحثون في علاقات السلطة والمال والأنشطة غير المشروعة.

ولا يقتصر أثر العنف على القتل؛ فالتهديدات تدفع صحفيين إلى مغادرة مناطقهم، والابتعاد عن أسرهم، أو التوقف عن متابعة ملفات حساسة، بما يحرم المجتمعات المحلية من معلومات تمس حياتها اليومية.

وتجسد تجربة الصحفية الاستقصائية ماريا مارتينيز غواردادو جانباً من هذه المعاناة. فبحسب شهادتها الواردة في التقرير، تلقت تهديدات بالقتل أثناء تحقيقها في روابط مزعومة بين جهات سياسية وعصابة إجرامية، واضطرت لاحقاً إلى العيش بعيداً عن عائلتها تحت الحماية الاتحادية.

إنهاء الإفلات من العقاب ضرورة لحماية الصحافة

تدعو منظمة «مراسلون بلا حدود» السلطات المكسيكية إلى اتخاذ خطوات عاجلة لحماية الصحفيين وإصلاح مسارات التحقيق. وتبرز الوقائع أن التدابير الأمنية وحدها لا تكفي، ما لم تترافق مع تحقيقات مستقلة تصل إلى المنفذين والمدبّرين، وتواجه أوجه الفساد والتواطؤ التي تسمح بتكرار الاعتداءات

ويطالب الاتحاد الدولي للإعلاميين والصحفيين (UMJI) بتعزيز حماية الصحفيين في المكسيك، وإجراء تحقيقات مستقلة وشفافة تكفل محاسبة المنفذين والمحرضين، ووضع حد للإفلات من العقاب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى