
أن حكماً حديثاً أصدرته محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي قد يفتح الباب أمام تقليص الحماية القانونية التي تتمتع بها المنصات الرقمية، وهو ما قد ينعكس سلباً على حرية التعبير على الإنترنت ويزيد من الضغوط على الشركات لمراقبة المحتوى الذي ينشره المستخدمون وإزالته بشكل استباقي.
ويستند القلق إلى الحكم الصادر في قضية “Coyote System”، والذي تناول مسؤولية المنصات الإلكترونية عن طريقة تنظيم ونشر محتوى المستخدمين، حيث رأت المحكمة أن استخدام الخوارزميات لتحديد كيفية عرض المحتوى وترتيبه قد يُعد مؤشراً على وجود “دور فعال” للمنصة، بما قد يؤدي إلى فقدانها الحماية القانونية التي تمنحها تشريعات الاتحاد الأوروبي للوسطاء الرقميين.
وتقوم قوانين مسؤولية الوسطاء في الاتحاد الأوروبي على مبدأ تحميل المسؤولية القانونية الأساسية لصاحب المحتوى، وليس للمنصة التي تستضيفه، بهدف حماية حرية التعبير ومنع الشركات من فرض رقابة شاملة على ما ينشره المستخدمون خوفاً من الملاحقات القانونية.
وينظم كل من توجيه التجارة الإلكترونية وقانون الخدمات الرقمية (DSA) هذه الحماية، مع اشتراط إزالة المحتوى غير القانوني عند العلم به، دون فرض التزام عام على المنصات بمراقبة جميع المنشورات أو البحث بشكل استباقي عن أي مخالفات.
ويرى خبراء قانونيون أن تفسير المحكمة لمفهوم “السيطرة” قد يؤدي إلى توسيع مسؤولية المنصات بصورة غير مسبوقة، خاصة أن غالبية شبكات التواصل الاجتماعي ومحركات البحث تعتمد على خوارزميات لترتيب المحتوى واقتراحه للمستخدمين، وهي آليات أصبحت جزءاً أساسياً من عمل الخدمات الرقمية الحديثة.
وأشار منتقدو الحكم إلى أن سوابق قضائية سابقة لمحكمة العدل الأوروبية، بما في ذلك قضايا تتعلق بمنصتي YouTube وCyando، لم تعتبر أن استخدام الخوارزميات وحده يسقط الحماية القانونية عن المنصات، بل ركزت على مدى سيطرة المنصة على المحتوى نفسه، وليس على طريقة عرضه أو تنظيمه.
كما لفتت مؤسسة الحدود الإلكترونية إلى أن قانون الخدمات الرقمية الأوروبي أقر استمرار الحماية القانونية للمنصات رغم اعتماده على أنظمة التوصية والخوارزميات، مع فرض التزامات تتعلق بالشفافية وإدارة المخاطر، دون إلغاء الإعفاءات الأساسية الخاصة بمسؤولية الاستضافة.
وحذرت المؤسسة من أن توسيع مفهوم مسؤولية المنصات قد يدفع الشركات إلى إزالة كميات كبيرة من المحتوى المشروع لتجنب الدعاوى القضائية، الأمر الذي قد يحد من حرية النقاش العام ويؤثر في حق المستخدمين في الوصول إلى المعلومات والتعبير عن آرائهم.
وأضافت أن الحكم يأتي ضمن سلسلة من القرارات القضائية الأوروبية التي يرى مراقبون أنها تميل تدريجياً إلى تضييق نطاق الحماية القانونية الممنوحة للوسطاء الرقميين، وهو ما قد ينعكس مستقبلاً على التشريعات الأوروبية المنظمة للفضاء الرقمي.
وفي هذا السياق، يؤكد الاتحاد الدولي للإعلاميين والصحفيين (UMJI) أن أي تحديث للتشريعات الرقمية يجب أن يحقق توازناً بين مكافحة المحتوى غير القانوني وحماية الحقوق الأساسية، وفي مقدمتها حرية الرأي والتعبير وحرية الصحافة. كما يشدد الاتحاد على ضرورة عدم تحميل المنصات مسؤوليات تؤدي إلى فرض رقابة استباقية واسعة على المحتوى المشروع، لما لذلك من آثار مباشرة على استقلالية الإعلام، وحق الجمهور في الوصول إلى المعلومات، والحفاظ على فضاء رقمي مفتوح يحترم المعايير الدولية لحقوق الإنسان



