مقالات الرأي

عندما تتأخر العدالة… هل يبقى ميزانها متوازناً؟

قراءة في تأجيل محاكمة نيكولاس مادورو بقلم: د. علي محمد العتبي رئيس الاتحاد الدولي للإعلاميين والصحفيين (UMJI)

لطالما كان القضاء المستقل أحد أهم ركائز الدولة الحديثة فهو الجهة التي يفترض أن تحسم النزاعات بعيداً عن الضغوط السياسية والإعلامية وأن تضمن حقوق جميع الأطراف دون تمييز أو انتقائية غير أن القضايا ذات الطابع الدولي كثيراً ما تثير تساؤلات واسعة حول مدى قدرة العدالة على الحفاظ على استقلالها عندما تتقاطع مع المصالح السياسية للدول

ويأتي قرار تأجيل محاكمة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو إلى يونيو/حزيران 2027 ليعيد إلى الواجهة نقاشاً قانونياً وسياسياً واسعاً حول مفهوم العدالة الناجزة وحدود التوازن بين الإجراءات القضائية وحق المتهم في محاكمة عادلة خلال فترة زمنية معقولة

فالقضية لم تعد مجرد ملف جنائي يتضمن اتهامات ودفوعاً قانونية بل أصبحت قضية يتابعها العالم باعتبارها نموذجاً لاختبار استقلال القضاء في القضايا ذات البعد الدولي وفي مثل هذه الملفات لا يكفي أن تكون العدالة مستقلة بل يجب أن تبدو كذلك أمام الرأي العام لأن الثقة بالقضاء تبنى على الشفافية والحياد وسرعة الفصل في القضايا لا على طول الإجراءات أو تعقيدها

إن أي تأخير طويل في الفصل بقضية بهذا الحجم يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة ويمنح المجال لتعدد التفسيرات السياسية والإعلامية سواء كانت صحيحة أم لا ولهذا فإن مسؤولية القضاء لا تقتصر على إصدار الأحكام وإنما تمتد إلى حماية ثقة المجتمع الدولي بعدالة الإجراءات ونزاهتها

وفي المقابل فإن احترام قرينة البراءة يمثل مبدأ قانونيا لا يجوز التفريط به تحت أي ظرف فلا يمكن اعتبار أي شخص مذنبا قبل صدور حكم قضائي نهائي كما لا يجوز في الوقت ذاته إغفال حق الضحايا أو حق المجتمع في معرفة الحقيقة كاملة من خلال محاكمة عادلة وشفافة

إن استقلال القضاء الحقيقي لا يقاس فقط بصدور الأحكام وإنما بقدرته على الفصل بين القانون والسياسة وبين الوقائع والضغوط وبين الأدلة والانطباعات فكلما ازدادت حساسية القضية ازدادت الحاجة إلى قضاء يبعث برسالة واضحة مفادها أن القانون وحده هو الفيصل

كما أن المجتمع الدولي مطالب اليوم أكثر من أي وقت مضى بالدفاع عن المبادئ القانونية ذاتها في جميع القضايا دون ازدواجية في المعايير أو انتقائية في تطبيق العدالة فالقانون الدولي يفقد جزءا من هيبته عندما يشعر الرأي العام بأن بعض القضايا تعامل بمعايير تختلف عن غيرها

ومن هنا فإن تأجيل محاكمة نيكولاس مادورو لا ينبغي أن يكون مناسبة لإطلاق الأحكام المسبقة ولا مبرراً لتسييس العدالة بل يجب أن يكون حافزا لتعزيز الثقة بالمؤسسات القضائية من خلال إجراءات تتسم بالسرعة المعقولة والشفافية واحترام حقوق الدفاع وضمان استقلال المحكمة عن أي اعتبارات خارج نطاق القانون

وفي نهاية المطاف تبقى العدالة هي الضمانة الأساسية لاستقرار المجتمعات وحماية الحقوق لكنها لا تكتمل إلا عندما تكون عادلة مستقلة وناجزة فالعدالة التي تتأخر كثيراً قد تثير الشكوك والعدالة التي تستبق بالأحكام الإعلامية قد تفقد جزءاً من قيمتها أما العدالة الحقيقية فهي تلك التي تنطق بالحقيقة بعد محاكمة منصفة وتبقى وفية للقانون مهما كانت الضغوط أو التحديات

إن التاريخ لا يتذكر فقط الأحكام التي تصدرها المحاكم بل يتذكر أيضا الكيفية التي وصلت بها إلى تلك الأحكام ومدى التزامها بمبادئ النزاهة والحياد وسيادة القانون وهذه هي الرسالة التي يجب أن تبقى حاضرة في كل قضية ذات اهتمام دولي وفي مقدمتها قضية نيكولاس مادورو

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى