
في عصرنا الحالي، تجد المرأة نفسها تركض في ماراثون لا حدودنهائية له. يُتوقع منها أن تكون موظفة استثنائية، وأماً مثالية، وزوجة حاضرة، وابنة بارة، وصديقة داعمة، ومدبرة منزل لا تشوب إدارتها شائبة، وسيدة مجتمع ناجحة، ووو الخ، أي أن تكون باختصار “10 أشخاص في جسد واحد”. هذا السعي المحموم نحو الكمال لم يعد مجرد طموح، بل أصبح عبئاً يثقل كاهلها، ويدفعها نحو دوامة من الإرهاق النفسي والشعور المستمر بالتقصير.
وبما اننا نتحدث عن المرأة فلا ان يكون هناك تحديات تواجهها المرأة اليوم والتي سنذكر أهم ما يمكن أن تواجهه مثل: متلازمة “المرأة الخارقة” (Superwoman Syndrome) حيث يفرض المجتمع الحديث صورة نمطية قاسية تتمثل في قدرة المرأة على التوفيق المطلق بين جميع أدوارها دون أن تبدي أي علامات للتعب. هذه الصورة تجردها من إنسانيتها وتمنعها من حقها الطبيعي في الخطأ أو طلب الاستراحة، أيضاً الصورة الذهنية التي تولد العبء الذهني الخفي (Mental Load) لا يقتصر الجهد الذي تبذله المرأة على العمل البدني، بل يمتد إلى “العمل المعرفي والذهني”. فهي المنسق العام والمخطط الخفي لكل شاردة وواردة في محيطها؛ من التفكير في تفاصيل الاحتياجات اليومية إلى التخطيط لمستقبل الأسرة، وهو جهد غير مرئي ولكنه يستنزف طاقتها بشكل هائل، وحقيقة من أصعب التحديات التي يجب أن أذكرها فخ المقارنات المستمرة الذي يسيطر عليها في كافة افعالها، فمع اجتياح وسائل التواصل الاجتماعي لحياتنا، أصبحت المرأة محاصرة بصور “مثالية” لنساء أخريات يعرضن نجاحاتهن المفلترة. هذا يخلق حالة من المقارنة غير العادلة بين “كواليس” حياتها المليئة بالتحديات، وبين المشاهد “المنمقة” لحياة الآخرين، ومن أهم التحديات الأساسية التي تمر بها المرأة هو الإحساس الدائم بالتقصير (عقدة الذنب) مهما حققت من إنجازات، يلاحقها صوت داخلي يهمس بأنها “لم تفعل ما يكفي”. إذا نجحت مهنياً، شعرت بالتقصير تجاه أسرتها، وإذا تفرغت لأسرتها، شعرت بضياع طموحها الشخصي.
إن ما تشعر به المرأة من ضغط ليس مجرد “تهويل عاطفي”، بل هوواقع تؤكده الإحصائيات العالمية حيث أن الأعمال غير مدفوعة الأجر: وفقاً لمنظمة العمل الدولية (ILO)، تتولى النساء عالمياً 76% من أعمال الرعاية والمنزل غير مدفوعة الأجر، وهو ما يعادل استنزاف حوالي 11 مليار ساعة يومياً من وقت النساء حول العالم، كما ان العبء الذهني الذي تعاني منها المرأة أظهرت دراسة كبرى لجامعة باث (University of Bath) أن الأمهات يتحملن ما يقرب من 7 من أصل 10 مهام تتعلق بـ “العبء الذهني” (Mental Load) والتخطيط الأسري، وذلك بغض النظر عن مستوى دخلهن أو نجاحهن المهني، ولعل من أقسى ما يمكن أن تمر المرأة به هو الاحتراق النفسي (Burnout) حيث أشارت استطلاعات أوروبية حديثة إلى أن 8 من كل 10 أمهات عاملات يصفن أنفسهن بأنهن “مثقلات بالأعباء”، مع تسجيل ارتفاع ملحوظ في معدلات تراجع الصحة النفسية لديهن مقارنة بالرجال، وما أكثر خيبات الأمل والخذلان الذي تمر به المرأة عبر الجرح الصامت، والذي يعتبر من أصعب التحديات التي تواجه المرأة المعطاءة هي لحظة “الخذلان” من الدائرة المقربة. عندما تعطي المرأة من طاقتها ووقتها لتكون سنداً للجميع، تتوقع في لحظات ضعفها أن تجد دعماً مشابهاً.غياب هذا الدعم، أو تقليل المحيطين من حجم تضحياتها، يولد خيبة أمل عميقة.
الخذلان هنا ليس بالضرورة خيانة واضحة، بل قد يكون في برود المشاعر، أو الاستهانة بجهدها، أو اعتبار تضحياتها أمراً مُسلَّماً به.
وهنا نقف لنفكر بحلول كيف يمكن تجاوز هذه الخيبات؟
أولاً : فك الارتباط بين العطاء والتوقع: تقبل حقيقة أن عطاءكِ هو انعكاس لنبلكِ أنتِ، وأن الآخرين قد لا يمتلكون نفس القدرة أو الوعي لرد الجميل بنفس الطريقة.
ثانياً: تقييم الدائرة المقربة: تعلمي وضع مسافة صحية بينك وبين من يستنزفون طاقتك دون تقديم أي دعم. ليس كل من حولك يستحق أن تمنحيه 100% من طاقتك.
ثالثاً : الاستقلالية العاطفية: لا تجعلي قيمتك أو سعادتك مرهونة بتقدير الآخرين. التقدير الحقيقي يبدأ من اعترافك أنتِ بقيمة ما تفعلينه.
رابعاً: إسقاط راية الكمال استبدلي مفهوم “الأداء المثالي” بمفهوم “الأداء الكافي الجيد”. ليس من الضروري أن يكون كل شيء خالياً من العيوب؛ الأهم هو إنجاز المهام بما يحفظ سلامتك النفسية.
خامساً: قوة كلمة “لا” رسم الحدود ليس أنانية، بل هو حماية للذات. تعلمي الرفض المهذب للمهام الإضافية التي تتجاوز قدرتك الاستيعابية، سواء في العمل أو المحيط الاجتماعي.
سادساً: التفويض وطلب المساعدة والتنازل عن دور “المنقذ الدائم” هو خطوة شجاعة. شاركي المسؤوليات مع الشريك، أو فوضي بعض المهام لأبنائك أو لجهات خارجية إن أمكن. لستِ مضطرة لحمل العالم بأكمله على كتفيك.
سابعاً: الرعاية الذاتية كضرورة لا رفاهية خصصي وقتاً يومياً—ولو قصيراً—لنفسك فقط
هذا الوقت ليس ترفاً، بل هو شحن لبطارية طاقتك لكي تستطيعي المواصلة.
وختاماً، المرأة قيادية بالفطرة وقوة لا يستهان بها في بناء المجتمعات، وهي في جوهرها لا تعرف المستحيل في مواجهة تحديات الحياة. ولكن القوة الحقيقية لا تكمن في تحمل الألم بصمت، بل في الوعي بالذات، وطلب المساعدة عند الحاجة، والاعتراف بأنكِ إنسانة تستحق الرعاية والتقدير، أولاً وقبل كل شيء.. من نفسها



