
قراءة في تحولات الخطاب الإعلامي العربي.
✍…إبراهيم محمد الصالح في السنوات الأخيرة، يلاحظ المتابع للإعلام التقليدي العربي تحوّلًا لافتًا في المفردات المستخدمة عند تغطية الصراعات والأحداث في المنطقة. فالكلمات التي كانت يومًا جزءًا من القاموس الإعلامي العربي تغيّرت أو استُبدلت بمصطلحات أخرى أكثر حيادًا أو أقل حدّة.
فمثلًا، كان الشخص الذي يُقتل أثناء الدفاع عن أرضه أو في مواجهة قوة محتلة يُوصَف في كثير من الخطابات الإعلامية القديمة بـ “الشهيد”، بينما نرى اليوم أن بعض وسائل الإعلام تستبدل هذا المصطلح بكلمة “قتيل” أو “ضحية”. الأمر نفسه ينطبق على توصيفات أخرى. فالمصطلحات التي كانت تُستخدم سابقًا مثل “الاحتلال” أصبحت في بعض الخطابات الإعلامية تُستبدل بتعابير أكثر رسمية أو سياسية، مثل “الجيش الإسرائيلي” أو تسميات مؤسسية أخرى. لماذا يحدث هذا التحول؟ يمكن تفسير هذا التحول بعدة عوامل:
التحول نحو اللغة “المهنية” في الإعلام بعض المؤسسات الإعلامية ترى أن استخدام كلمات مثل “قتيل” بدلاً من “شهيد” هو جزء من تبني لغة أكثر حيادًا ومهنية، خاصة في الأخبار المباشرة التي تسعى إلى تقديم الحدث دون توصيفات تحمل دلالات سياسية أو عاطفية.
تأثير البيئة السياسية والدبلوماسية الإعلام التقليدي في كثير من الدول يرتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بسياسات الدولة. لذلك قد تتغير المفردات المستخدمة بما يتناسب مع التوجهات السياسية أو الدبلوماسية الجديدة.
التأثر بالمدارس الإعلامية العالمية كثير من المؤسسات الإعلامية العربية تبنت في السنوات الأخيرة نماذج تحريرية غربية تميل إلى استخدام مصطلحات محايدة أو وصفية، بدل الكلمات ذات الحمولة الأيديولوجية.
الجدل حول أثر المصطلحات على الوعي العام هناك من يرى أن تغيير المفردات ليس مجرد مسألة لغوية، بل قد يؤثر في تشكيل وعي الأجيال الجديدة تجاه القضايا السياسية والتاريخية، لأن اللغة في الإعلام ليست مجرد وسيلة نقل للمعلومة، بل أيضًا أداة لصياغة الفهم العام للأحداث.
بين اللغة والوعي في النهاية، تبقى اللغة الإعلامية عنصرًا مؤثرًا في تشكيل الرأي العام. فالكلمات التي تُستخدم لوصف الأحداث لا تنقل الخبر فقط، بل تحمل معها دلالات ثقافية وسياسية قد تؤثر في طريقة فهم الجمهور للقضية. ولهذا يظل النقاش حول المصطلحات الإعلامية نقاشًا مشروعًا ومهمًا، لأنه يتعلق بكيفية رواية الأحداث وكيفية فهمها عبر الزمن. ❓ برأيكم، هل تغيير المفردات في الإعلام مجرد محاولة لاستخدام لغة أكثر حيادًا ومهنية؟ أم أن للكلمات دورًا أعمق في تشكيل وعي الأجيال تجاه القضايا السياسية والتاريخية؟


