
أثارت دراسة حديثة تساؤلات حول مدى كفاءة تقنية “تعزيز القلوية” في الحد من آثار التغير المناخي، محذرة من أن التقديرات المتداولة بشأن قدرتها على سحب ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي قد تكون أعلى من الواقع بسبب عوامل كيميائية لا تؤخذ دائماً في الحسبان.
وتعتمد هذه التقنية على إضافة مواد صخرية أو معدنية غنية بالعناصر القلوية إلى التربة أو المسطحات المائية، بهدف تسريع عمليات طبيعية تساعد على امتصاص الكربون وتحويله إلى مركبات مستقرة يمكن أن تبقى مخزنة لفترات طويلة داخل المياه أو المحيطات.
ما يحدث بعد ذوبان الصخور
وأوضح الباحثون أن المشكلة لا تكمن في كمية المواد القلوية المضافة فقط، بل في مصير العناصر الناتجة عنها بعد انتقالها عبر الأنظمة البيئية المختلفة.
فعندما تذوب الصخور، تطلق أيونات مثل الكالسيوم والمغنيسيوم والبوتاسيوم، وهي عناصر تسهم نظرياً في زيادة قدرة المياه على احتجاز الكربون. غير أن جزءاً من هذه الأيونات قد يدخل في تفاعلات كيميائية أخرى أو يترسب داخل التربة والرواسب قبل وصوله إلى المحيطات، ما يقلل من الفائدة المتوقعة في تخزين الكربون.
وأشار معدّو الدراسة إلى أن هذه الخسائر قد تبدأ منذ المراحل الأولى لتطبيق التقنية، ثم تستمر أثناء انتقال المياه عبر الأنهار والمياه الجوفية والمناطق الساحلية، الأمر الذي قد يؤدي إلى تراجع الكفاءة الفعلية للمشروع مقارنة بالحسابات النظرية.
تقديرات قد تكون مبالغاً فيها
ووفقاً للنتائج، فإن بعض البيئات الطبيعية التي تشبه المواقع المستهدفة في مشاريع تعزيز القلوية تُظهر معدلات مرتفعة لفقدان الأيونات الذائبة قبل وصولها إلى المحيطات.
كما بينت الدراسة أن مصبات الأنهار والدلتا الساحلية تؤدي دوراً مهماً في احتجاز جزء من هذه العناصر داخل الرواسب أو تحويلها إلى مركبات معدنية جديدة، ما يحد من قدرتها على الاستمرار في تخزين الكربون على المدى الطويل.
ويرى الباحثون أن الاعتماد على قياسات محلية في مواقع التطبيق فقط قد لا يعكس الصورة الكاملة، لأن جزءاً كبيراً من التغيرات الكيميائية يحدث في مراحل لاحقة وخارج نطاق الرصد المباشر.
الحاجة إلى مراجعة طرق المحاسبة الكربونية
وحذرت الدراسة من أن بعض المشاريع قد تحصل على تقديرات مرتفعة لأرصدة الكربون اعتماداً على حسابات لا تأخذ في الاعتبار هذه الخسائر اللاحقة، ما قد يؤدي إلى تقييمات غير دقيقة لحجم الكربون الذي تمت إزالته فعلياً من الغلاف الجوي.
ودعا الباحثون إلى تطوير أنظمة مراقبة أكثر شمولاً تتابع حركة المواد القلوية من لحظة إضافتها وحتى وصولها إلى البيئات البحرية النهائية، لضمان احتساب النتائج بصورة أكثر واقعية.
مخاوف بيئية إضافية
إلى جانب الجوانب المتعلقة بالكربون، أشارت الدراسة إلى احتمال ظهور آثار بيئية وصحية مرتبطة ببعض أنواع الصخور المستخدمة في هذه التقنية.
فقد يؤدي تحلل بعض المعادن إلى إطلاق عناصر مثل النيكل والكروم والفاناديوم في التربة أو المياه، وهو ما قد ينعكس على الكائنات الحية الدقيقة والتوازن البيئي وجودة المياه والمحاصيل الزراعية في بعض الحالات.
كما نبه الباحثون إلى أن عمليات طحن الصخور ونشرها على نطاق واسع قد تنتج عنها كميات من الغبار القابل للاستنشاق، ما يستدعي دراسة تأثيراته الصحية والبيئية قبل التوسع في استخدام التقنية.
أداة واعدة لكنها تحتاج إلى مزيد من الاختبارات
ورغم التحفظات التي طرحتها الدراسة، فإنها لا تستبعد إمكانية مساهمة تعزيز القلوية في جهود الحد من التغير المناخي، لكنها تؤكد أن نجاح هذه المقاربة يتطلب فهماً أدق للعمليات الكيميائية التي ترافقها، إضافة إلى إجراء تجارب ميدانية طويلة الأمد.
وخلص الباحثون إلى أن المعيار الحقيقي لنجاح هذه التقنية لا يتمثل فقط في كمية الكربون التي يتم التقاطها في البداية، بل في القدرة على إثبات أن هذا الكربون سيظل مخزناً بصورة مستقرة ودائمة عبر مختلف المراحل البيئية وصول

