
تواجه مدينة صور، إحدى أعرق المدن المطلة على البحر الأبيض المتوسط، مخاطر متزايدة تهدد إرثها الحضاري، عقب تعرض مناطق محيطة بمواقعها الأثرية لغارات إسرائيلية أسفرت عن أضرار طالت أجزاء من المعالم التاريخية المدرجة على قائمة التراث العالمي.
وتعد صور من أبرز المدن التاريخية في المنطقة، إذ تضم مواقع أثرية تعود إلى حضارات متعددة، وتحظى بحماية دولية من قبل اليونسكو باعتبارها أحد أهم المواقع التراثية العالمية في لبنان.
وقال مدير المواقع الأثرية في جنوب لبنان علي بدوي إن الغارات الأخيرة تسببت بأضرار واسعة داخل محيط الموقع الأثري، واصفاً ما حدث بأنه من أكبر الأضرار التي تعرض لها الموقع منذ اندلاع الحرب.
وأوضح أن الانفجارات التي استهدفت مباني مجاورة أدت إلى تساقط كميات كبيرة من الأنقاض داخل المنطقة الأثرية، ما ألحق أضراراً بعدد من العناصر التاريخية، بما في ذلك أعمدة حجرية قديمة وتيجان معمارية وأجزاء من الأرضيات الفسيفسائية التي تشكل جزءاً من الإرث الحضاري للمدينة.
وأكد بدوي أن الموقع الأثري في صور يُعد منشأة مدنية وثقافية بحتة، ولا يرتبط بأي أنشطة عسكرية، مشدداً على أهمية الحفاظ عليه باعتباره جزءاً من التراث الإنساني العالمي.
من جهته، دعا وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة إلى حماية المواقع الأثرية في البلاد، مطالباً بتحييدها عن العمليات العسكرية والحفاظ على قيمتها التاريخية والثقافية للأجيال القادمة.
وأشار إلى أن آثار صور تمثل جزءاً من الذاكرة الإنسانية المشتركة، مؤكداً أن السلطات المختصة ستعمل على تقييم حجم الأضرار فور توفر الظروف الأمنية المناسبة وإمكانية الوصول إلى المواقع المتضررة.
وكانت المنطقة المحيطة بأحد الموقعين الأثريين الرئيسيين في المدينة قد شهدت إجراءات إخلاء قبل تنفيذ الغارات الأخيرة، ما أثار مخاوف إضافية بشأن سلامة المعالم التاريخية القريبة من مناطق التوتر.
ومنذ اندلاع الحرب عام 2023، وضعت اليونسكو عشرات المواقع التراثية اللبنانية، من بينها مدينة صور، ضمن قائمة الحماية المعززة المؤقتة، في محاولة للحد من المخاطر التي قد تهددها جراء العمليات العسكرية.
كما أطلقت مؤسسات ثقافية دولية، من بينها معهد العالم العربي والتحالف الدولي لحماية التراث، مبادرات وصناديق طوارئ لدعم جهود حماية التراث اللبناني والحفاظ على المواقع التاريخية المعرضة للخطر خلال فترة النزاع.
وتبقى مدينة صور، التي تمتد جذورها إلى آلاف السنين، واحدة من أبرز الشواهد الحية على تعاقب الحضارات في شرق المتوسط، ما يجعل الحفاظ على معالمها الأثرية قضية تتجاوز الحدود الوطنية لتصبح مسؤولية ثقافية وإنسانية عالمية



