ليس كل ما ينشر حقيقة وليس كل ما يتصدر الشاشات يستحق التصديق ففي زمن تتسابق فيه المنصات على جذب الانتباه قد يصل الخبر المضلل إلى الجمهور قبل أن تتضح الوقائع ويترك أثرا يصعب محوه حتى بعد تصحيحه وهنا يصبح السؤال ضروريا هل ما نتابعه يساعدنا على فهم العالم أم يدفعنا إلى رؤية ما يريد الآخرون أن نراه؟
الأخبار المضللة لا تاتي دايما في صورة كذبة كاملة فقد تكون معلومة صحيحة جرى اقتطاعها من سياقها أو صورة قديمة تقدم بوصفها حدثا جديداً أو عنوانا مثيرا لا يعكس مضمون الخبر وتكمن خطورتها في مزج الحقيقة بالتلاعب بحيث يصعب على المتلقي التمييز بين ما حدث فعلاً وما أُضيف لتوجيه مشاعره وموقفه
وتختلف أهداف التضليل باختلاف الجهات التي تقف وراءه فقد يستخدم لتوجيه الرأي العام أو تشويه سمعة أشخاص ومؤسسات أو إثارة الخوف والانقسام داخل المجتمع وقد تكون غايته تحقيق أرباح من المشاهدات والإعلانات أو صرف الأنظار عن قضية مهمة باغراق الجمهور في روايات جانبية مثيرة وفي بعض الحالات يسعى إلى إضعاف الثقة بكل مصدر حتى يصبح الناس عاجزين عن التمييز بين الخبر الموثق والادعاء
ومع ذلك من الضروري التفريق بين الخطاً الصحفي والتضليل المتعمد فليس كل خبر غير دقيق دليلاً على نية الخداع المهنية تظهر في طريقة التعامل مع الخطأ: هل تعترف المؤسسة به وتصححه بوضوح أم تتركه ينتشر وتواصل البناء عليه؟
إن متابعة القنوات المعتمدة والمؤسسات الإعلامية المعروفة خطوة مهمة لكنها لا تعني منح أي جهة ثقة مطلقة فالترخيص أو الشهرة وحدهما لا يضمنان صحة كل ما يبث الثقة تبنى على وضوح المصادر ودقة التغطية والفصل بين الخبر والرأي وإعلان التصحيحات وإتاحة الرد للأطراف المعنية
وعلى المتلقي أن يبدأ من الحسابات والمواقع الأصلية للمؤسسات الإعلامية وأن يتجنب الصفحات المنتحلة والمقاطع المجتزأة وعندما يواجه خبرا مثيرا أو اتهاما خطيرا عليه مراجعة تاريخ النشر وقراءة التفاصيل كاملة ومقارنة التغطية لدى مصادر مستقلة عن بعضها فتكرار الرواية في عشرات الصفحات لا يجعلها مؤكدة إذا كانت جميعها تنقل عن مصدر واحد غير موثوق
كما ينبغي التعامل بحذر مع العناوين التي تستفز الغضب أو الخوف وتدعو إلى المشاركة الفورية فقبل الضغط على زر النشر يستحق الخبر لحظة تأمل:
من نشره؟ وما دليله؟ وهل تؤكد الصورة أو الوثيقة المرفقة ما يدعيه النص فعلاً؟ وإذا غاب الدليل فإن التريث مسؤولية وليس في متابعة الأحداث
إن حماية الوعي مسؤولية مشتركة بين المؤسسات الإعلامية والصحفيين والجمهور ومن موقعنا في الاتحاد الدولي للإعلاميين والصحفيين UMJI نؤكد أن قيمة الإعلام تقاس بقدرته على تقديم معرفة موثوقة تحترم عقل الإنسان وكرامته وأن تعزيز ثقافة التحقق جزء أساسي من حماية المجتمع وحقه في الحقيقة
لا تمنح الخبر ثقتك لأنه انتشر ولا تشاركه لأنه أثارك امنحه وقتا للتحقق فوعيك يستحق أكثر من عنوان عابر



