
حلقت في سماء العاصمة السودانية الخرطوم، يوم الاثنين 19 أكتوبر 2026، مسيرات انتحارية مستهدفة مطار الخرطوم، لكنها ظلت تحوم شرق المطار؛ حيث أسقطت تلك النيران حممها في منازل حي امتداد ناصر –نعم، منازل!– لا على ثكنات عسكرية أو القصر الجمهوري، بل على 4 مواطنين، 3 منهم أطفال أبرياء كانوا يلعبون في فناء منزل حسبوه أمناً، أطفال لا تتجاوز أعمارهم السادسة ببراءة تجمعوا ليصنعوا يوماً في الذاكرة، وبدلاً عن ذلك تناثرت أجسادهم أشلاءً! هكذا ببساطة انتهت حياتهم. 3 أطفال منهم شقيقان لحقوا بوالدهم الذي قتلته ذات المسيرات من قبل، وكأنها عادت لتأخذهم إليه. ياله من مشهد وكأنه امتحان قاسٍ لا يمت للإنسانية بصلة.
كان يجب علينا أن نعطي أطفالنا دروساً جديدة، تعلمهم أن ليس كل الأجنحة التي تحلق في السماء تحمل رحمة؛ بعضها يقتل، يدمر، وتختفي بسببه مدن بأكملها، بل وحياة ابن آدم الذي كرمه الله دوناً عن خلقه.
منذ أن كنا أطفالاً، كنا إذا سمعنا صوتها نعرفها طائرة؛ فنخرج لنشاهدها وهي تلف وتدور، فنلوح لها بأيدينا وكأنها ترانا، بل ونذكر كل الأحبة الذين سافروا على متنها نبلغهم السلام والأشواق. لكن الزمن تغير، فأصبحت الطائرات التي تحلق في السماء أصغر حجماً، لكننا لم نعد نلوح لها أو نودعها؛ بل بات الجميع يهربون منها، لا نرفع أيدينا بل نبحث عن ساتر يقينا شرها.
أطفال السودان اليوم يحاصرهم الموت من كل جانب؛ بالجوع، والفقر، ونقص الغذاء، وعدم الأمان. تحولت حياتهم إلى جحيم قبل أن تزهر أعمارهم، ودفعوا ثمن الحرب بأرواحهم البريئة. كم من طفل دفن داخل منزله؟ وآخرون اختضنت أجسادهم الرمال وهم يجوبون الفيافي والصحاري مع ذويهم، وصل بعضهم وقد أنهكهم التعب وأثقلتهم الخيبات، بينما ظل آخرون عالقين بين قصف لا ينقطع، وموت بطيء على حواف الطرقات وفي مخيمات النزوح. وهناك… لا يحتاج الموت لمسيرة باهظة الثمن، فلا مأوى سوى الخيام، وربما بسلاح بسيط تُنهى حياة أسرة كاملة.
لقد أعلنت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) في تقاريرها الميدانية الدامية أن أطفال السودان يواجهون موتاً محققاً؛ فبين هجمات طائرات مسيرة خطفت أرواح العشرات في الخرطوم وغيرها، ومئات الآلاف ممن تهددهم أبحاث الجوع وسوء التغذية، تقف المنظمات الدولية أمام واقع مرير تعجز فيه عن حماية الطفولة التي تُذبح بدم بارد.
وما مانحتاجه اليوم حقاً ليس بيانات الإدانة والاستنكار، بل سلام حقيقي ننشده في كل مكان… كفى قتلاً!
تبقى صرخات هؤلاء الصغار أمانة في رقبة التاريخ، ويبقى الدم المسفوك ظلماً شاهداً على عجز عالم تتهاوى فيه كل معاني القيم والعدالة. إننا لنتساءل إلى متى ستظل طفولة السودان تدفع ثمن صراعات لا ذنب لها فيها؟ إن غداً لن يرحم الذاكرة التي نسيت، ولن يغفر للصامتين أنهم تركوا البراءة تذبح على مرأى ومسمع من الجميع. فمتى ينتهي هذا الليل الطويل ويشرق فجر يرتدي فيه أطفالنا أجنحة الأحلام لا أجنحة الموت؟



