
كان أسد الكهوف أحد أكبر القطط التي عاشت على الإطلاق، وكان يجوب مساحات شاسعة من الأراضي تمتد من أوروبا الغربية عبر سيبيريا، وصولاً إلى أميركا الشمالية، ويصطاد فرائس كبيرة، ربما حتى من البشر، قبل أن ينقرض مع نهاية العصر الجليدي تقريباً.
وكشفت أبحاث جينية جديدة عما جعل هذا القط الكبير فريداً من نوعه، وكيف اختلف عن الأسد الأصغر حجماً الذي نعرفه حالياً، رغم أن النوعين تزاوجا بشكل متقطع. وانقرض أسد الكهوف، واسمه العلمي (بانثيرا سبيلايا)، منذ نحو 14 ألف عام
بقايا شبل أنثى متجمدة من أسود الكهوف تُدعى “سبارتا” يُقدَّر عمرها بنحو 32 ألف عام عُثر عليها في شمال شرقي سيبيريا في مدينة ياكوتسك الروسية، في صورة تعود إلى عام 2018 جرى الحصول عليها في 3 يونيو 2026
أسد الكهوف
استخلص الباحثون الحمض النووي لأسود الكهوف في الغالب من العظام، والأسنان، والأنسجة الرخوة في أشبال مجمدة من سيبيريا، حيث ساعد الطقس البارد على حفظ المادة الوراثية القديمة، وإحدى هذه العينات لأنثى اسمها (سبارتا)، وتعد من أفضل عينات العصر الجليدي التي عثر عليها على الإطلاق.
وقال عالم الوراثة التطورية لوف دالين، والمعد الرئيسي للدراسة المنشورة في دورية “Cell”: “توصلنا إلى أن أسود الكهوف لم تكن مجرد نسخة من الأسود الحديثة عاشت في العصر الجليدي، بل مثلت سلالة تطورية متميزة جداً
اختلافات جينية
وكشفت الدراسة أن السلالتين التطوريتين للنوعين تباعدتا على الأرجح منذ نحو 1.7 مليون سنة خلال العصر البليستوسيني (العصر الحديث الأقرب).
وكان لكل نوع متغيرات جينية فريدة يرجَّح أنها ساعدته على التكيف مع موائله وسلوكياته المختلفة، وتتعلق هذه الاختلافات الجينية بالنمو، والرؤية، ووظائف الدماغ، وتطور الدورة الدموية.
وكان أسد الكهوف، الذي لم يسكن الكهوف فعلياً رغم اسمه، أكبر حجماً وأكثر قوة من الأسد الحديث، وسكن المناطق الباردة، وكان يفضل المراعي المفتوحة، ومناطق التندرا (سهول عشبية باردة فقيرة بالنباتات) في شمال أوراسيا، وشمال غرب أميركا الشمالية.
وهذا النظام البيئي الذي اندثر يشبه السافانا الإفريقية الحالية، لكن درجات الحرارة فيه شديدة البرودة.
وقال ديفيد ستانتون، عالم الوراثة التطورية من جامعة كارديف في ويلز، والمعد الرئيسي أيضاً للدراسة: “كان أسد الكهوف دون شك من أكبر الحيوانات المفترسة في بيئته، ولعب على هذا النحو دوراً بيئياً بالغ الأهمية والتأثير… كان من أكثر الحيوانات الآكلة للحوم انتشاراً التي عاشت على الإطلاق
وكانت الماموث الصوفي، ووحيد القرن الصوفي، والظباء، والرنة، والخيول، والبيسون (الثور الأميركي) من ضمن فرائسه، وسكن البشر هذه المناطق في المراحل الأخيرة من العصر الجليدي.
سكان العصر الجليدي
وقال دالين: “رغم عدم وجود دليل قاطع على أن أسود الكهوف كانت تفترس البشر، من المرجَّح جداً أنها فعلت ذلك في بعض الأحيان، وتظهر رسومات الكهوف أن سكان العصر الجليدي كانوا على دراية كبيرة بهذه الحيوانات، وغالباً ما كان يتم تصويرها بدقة ملحوظة، وعادة دون اللبدة (الشعر الكثيف الذي يحيط برأس الحيوان) الكبيرة، التي تميز ذكور الأسود الحديثة”.
ولم يغامر الأسد الحديث بالتوغل شمالاً إلى أقصى حدود موطن أسد الكهوف المعتاد، لكن الدراسة أظهرت أن النوعين التقيا خلال فترات شديدة البرودة من العصر الجليدي، عندما دفع اتساع الصفائح الجليدية القارية وتوسع التندرا العشبية أسود الكهوف جنوباً، ما أدى إلى تداخل مناطق انتشارهما
وقارن الباحثون جينات 12 من أسود الكهوف، التي عاشت بين 17 ألفاً و148 ألف عام مضت، في مناطق، مثل روسيا، والنمسا، وإقليم يوكون الكندي، مع جينات 20 أسداً من العصر الحديث.
