
كلما أثير ملف السوريين الموجودين في السجون اللبنانية، يتكرر سؤال مشروع: لماذا لا تطالب سوريا بتسليم جميع مواطنيها الموجودين في السجون اللبنانية، وتنهي هذا الملف دفعة واحدة؟
السؤال يبدو بسيطا، لكنه في الحقيقة يرتبط بملف شديد التعقيد، ليس فقط من الناحية القانونية، وإنما أيضا من الناحية السياسية والتاريخية، وبطبيعة العلاقة الجديدة بين دمشق وبيروت بعد سقوط نظام الأسد.
أعتقد أن فهم هذا الملف يحتاج أولا إلى الابتعاد عن فكرة أن سوريا لا تفعل شيئا تجاه مواطنيها في السجون اللبنانية. فمنذ المرحلة الجديدة في العلاقات السورية اللبنانية بدأ هذا الملف يأخذ مسارا رسميا، وصولا إلى توقيع اتفاقية في شباط 2026 لنقل المحكومين السوريين من لبنان إلى سوريا، ثم وصول دفعتين إلى سوريا، الأولى ضمت 136 موقوفا، والثانية 128 محكوما. وهذا يعني أن الملف ليس متروكا، وإنما تتم معالجته ضمن مسار قضائي ودبلوماسي بين دولتين.
لكن لماذا لا يكون المطلب ببساطة: سلمونا جميع السوريين؟
لأن المسألة ليست بهذه البساطة.
هناك فرق قانوني بين محكوم صدر بحقه حكم قضائي نهائي، وموقوف لم تصدر بحقه إدانة، وبين ملف ما زال قيد التحقيق أو المحاكمة. ولذلك فإن التعامل مع جميع الموجودين في السجون باعتبارهم حالة قانونية واحدة قد يضر بالقضية أكثر مما يخدمها. حتى الجانب اللبناني يتحدث عن معالجة المحكومين والموقوفين ضمن مسارات تراعي القوانين والسيادة الوطنية لكل من البلدين.
لكن هناك سبب آخر أعمق، وربما هو الأكثر حساسية.
إن الدولة السورية الوليدة وعهدها الجديد منذ اللحظات الأولى أرسل رسائل مباشرة وغير مباشرة أنه ينظر إلى لبنان دولة مستقلة ذات سيادة ولا يتعامل معها بغير هذه النظرة.
هذه ليست مجرد لغة دبلوماسية عابرة. نحن أمام محاولة لإعادة بناء العلاقة السورية اللبنانية من أساس مختلف تماما عن ذلك الذي عرفناه لعقود.
فلبنان لا يستطيع أن يتعامل مع أي حركة سورية تجاهه بمعزل عن الذاكرة التي خلفتها مرحلة حافظ الأسد. سنوات الوجود العسكري والأمني السوري، والتدخل في الحياة السياسية اللبنانية، وشبكة النفوذ التي امتدت إلى مؤسسات وأحزاب وشخصيات، تركت إرثا ثقيلا في الوعي اللبناني، وجعلت قطاعات واسعة من اللبنانيين شديدة الحساسية تجاه أي خطاب سوري يمكن أن يفهم باعتباره تدخلا أو وصاية أو محاولة لاستعادة النفوذ السابق.
ولهذا فإن سوريا الجديدة أمام معادلة دقيقة جدا: عليها أن تدافع عن مواطنيها، لكن عليها في الوقت نفسه أن تفعل ذلك كدولة تحترم دولة أخرى، لا كسلطة تعتبر لبنان مساحة نفوذ.
وهنا أعتقد أن الفارق بين سوريا الأمس وسوريا اليوم يجب أن يكون واضحا.
سوريا الجديدة لا تحتاج إلى أن تقول للبنان ماذا يفعل في قضائه، ولا تحتاج إلى أن تفرض عليه إطلاق سراح أحد. لكنها في المقابل تملك كل الحق في أن تسأل عن مواطنيها، وأن تطالب بمعرفة ملفاتهم، وأن تتأكد من سلامة الإجراءات بحقهم، وأن تطلب نقل المحكومين الذين يسمح القانون والاتفاق بنقلهم إلى سوريا، وأن تتابع أوضاع الموقوفين الذين لم تصدر بحقهم أحكام.
هذا هو معنى أن تكون هناك علاقات بين دولتين ذاتي سيادة.
والأهم أن هذا المسار ليس كلاما فقط. لبنان وسوريا أعلنا خلال الأشهر الماضية الانتقال إلى علاقات تقوم على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، كما جرى تشكيل أطر مؤسسية جديدة للتعاون بين البلدين. والرئيس اللبناني جوزاف عون تحدث صراحة عن ضرورة معالجة الملفات العالقة انطلاقا من سيادة واستقلال البلدين، فيما أكدت دمشق أن صفحتها الجديدة مع لبنان تقوم على التعامل مع الدولة اللبنانية ومؤسساتها.
ومن هنا أرى أن السؤال الحقيقي ليس: لماذا لا تطالب سوريا بتسليم جميع السوريين؟
بل: لماذا لا يتحول ملف كل سوري موجود في السجون اللبنانية إلى ملف واضح ومحدد ومتابع رسميا؟
نريد أن نعرف من هو المحكوم، وما هي مدة حكمه، ومن هو الموقوف، وما هي التهمة الموجهة إليه، وأين أصبح ملفه القضائي، ومن انتهت محكوميته ولماذا لم يعد إلى سوريا، ومن لم تثبت إدانته ولماذا ما زال موقوفا.
وفي الوقت نفسه، لا أعتقد أن الجنسية السورية وحدها يمكن أن تكون سببا لإسقاط القضاء اللبناني أو تجاهل حقوق الضحايا أو الدولة اللبنانية. من ارتكب جريمة يجب أن يحاسب وفق القانون، ومن تثبت براءته يجب أن يخرج، ومن انتهت محكوميته يجب ألا يبقى رهينة التعقيدات السياسية والإدارية.
أما من ثبتت بحقه أحكام قضائية ويسمح الاتفاق والقانون بنقله إلى سوريا، فمن حقه ومن حق بلده أن يكمل محكوميته في وطنه.
هذه هي النقطة التي يجب ألا تضيع وسط العاطفة.
فالسوريون الموجودون في السجون اللبنانية ليسوا رقما واحدا ولا قضية واحدة. هناك ملفات مختلفة، وظروف مختلفة، وأحكام مختلفة، وبعض هذه الملفات يعود إلى سنوات الحرب السورية وإلى أحداث وقعت داخل لبنان نفسه.
لذلك فإن الإنصاف الحقيقي لا يكون بالتعميم، وإنما بفتح الملفات واحدا واحدا.
وفي قضية مثل سجن رومية، حيث توجد حالات إنسانية وقضائية شديدة التعقيد، فإن المطلوب ليس أن تتحول سوريا إلى طرف في السجال السياسي اللبناني، وإنما أن تستخدم كل أدواتها الدبلوماسية والقانونية لحماية مواطنيها ومتابعة أوضاعهم، وأن يكون هذا الملف حاضرا على طاولة العلاقات السورية اللبنانية بصورة مستمرة.
أنا لا أريد لسوريا الجديدة أن تعود إلى لبنان القديم، ولا أريد في الوقت نفسه أن تتحول حساسية اللبنانيين المشروعة تجاه الماضي إلى سبب لتجاهل حقوق السوريين.
المرحلة الجديدة يجب أن تقوم على قاعدة مختلفة تماما:
سوريا تحترم سيادة لبنان، ولبنان يحترم سيادة سوريا، وكل دولة تحمي مواطنيها بالطرق القانونية والدبلوماسية، لا بمنطق النفوذ والوصاية.
وإذا كانت سوريا قد اختارت أن تطوي صفحة التدخلات التي حكمت العلاقة في الماضي، فهذا لا يعني أن تطوي معها مسؤوليتها تجاه مواطنيها.
بل ربما تكون هذه هي اللحظة التي تستطيع فيها دمشق أن تثبت الفرق الحقيقي بين الدولة التي تريد أن تبنيها، والدولة التي كانت موجودة قبل سقوط النظام.
الدولة القوية ليست التي تدخل إلى شؤون جيرانها، وإنما التي تستطيع أن تحمي حقوق مواطنيها وهي تحترم سيادة جيرانها.
وفي ملف السجناء السوريين في لبنان، هذا هو الاختبار الحقيقي



