مقالات الرأي

بحث وتحري ومتابعةمستمرة للمشهد الإعلامي في بلدي سوريا في مرحلة ما بعد التحرير وصلت إلى قناعة أراها

بقلم : أ. علي كايا

بسم الله نبدأ ورفع الظلم مبدأ وقول الحق مذهب بعد بحث وتحري ومتابعةمستمرة للمشهد الإعلامي في بلدي سوريا في مرحلة ما بعد التحرير وصلت إلى قناعة أراها جديرة بالنقاش والنشر إن جزءاً كبيراً من الفوضى التي نشهدها اليوم لا يبدأ من الشائعة نفسها بل من الفراغ الذي يسبقها ومن تأخر المعلومة الصحيحة عن الوصول إلى الناس فالإعلام في المراحل الانتقالية والحساسةليس تفصيلاً ثانوياًولا مجرد أداة لنقل نشاطات المسؤولين والبيانات الرسمية بل هو أحد أهم أعمدة الاستقرار وبناء الثقة بين الدولة والمجتمع وحماية الرأي العام من التضليل والفوضى وكلما تأخرت المعلومة الموثوقة تقدمت الإشاعة بشكل سريع جداً وكلما غاب التوضيح الرسمي ظهرت عشرات الروايات البديلة وكلما ابتعد الإعلام المهني عن الحدث تقدمت الحسابات المجهولة والصفحات غير الموثوقة لتملأ الفراغ وهنا تحديداً تبدأ المشكلة الكبرى
في عصر وسائل التواصل الاجتماعي لم يعد بالإمكان التعامل مع الإعلام بالأساليب القديمة لأن الخبر الكاذب يستطيع أن ينتشر خلال دقائق وربما ثواني والمقطع المجتزأ قد يتحول إلى قضية رأي عام والمنشور المجهول قد يصبح مصدراً تتناقله آلاف الحسابات قبل صدور أي توضيح رسمي ولهذا فإن سرعة الإعلام لم تعد رفاهية بل ضرورة عاجلة جداً
والشفافية لم تعد خياراً إضافياً بل جزءاً أساسياً من حماية المجتمع الإعلام الحقيقي هو الذي ينقل الوقائع كما هي وإذا وقع خطأ يقول إن هناك خطأ وإذا وجد خلل يطرحه للنقاش وإذا انتشرت معلومة كاذبة يواجهها بالدليل والمعلومة الواضحة بشكل فوري وإذا أثيرت قضية تمس الرأي العام لا يترك المواطن ساعات أو أياماً أسيراً لعشرات الروايات المتناقضة لأن الفراغ الإعلامي لا يبقى فراغاً إن لم تملأه الحقيقة ستملؤه الإشاعة وإن لم يتقدم الصحفي المهني سيتقدم الذباب الإلكتروني المنتشر بقوة
والمقصود بالذباب الإلكتروني هنا ليس كل صاحب رأي مختلف فاختلاف الرأي حق طبيعي ومشروع وإنما تلك الحسابات التي تقوم على التضليل والتحريض واجتزاء الوقائع وتصفية الحسابات ونشر الاتهامات دون دليل

وهذه الظاهرة تصبح أكثر خطورة عندما يتحول النقاش العام إلى تخوين متبادل أو عندما يصبح الدفاع عن مسؤول أو مؤسسة مبرراً لإنكار الأخطاء أو حين يتحول النقد إلى شتائم وتشويه فالإعلام المهني لا يقوم على التطبيل كما أن الإعلام الحر لا يقوم على الشتائم والصحفي الحقيقي والناشط والإعلامي ليس موظف علاقات عامة كما أنه ليس خصماً شخصياً لأحد وظيفته أن يسأل ويتحقق وينقل ويفصل بين الرأي والخبروبين المعلومة والاتهام وبين النقد المشروع والتشهير وهنا لا بد من الإشارة إلى جانب آخر بالغ الحساسية وهو أن بعض الناشطين والإعلاميين والصحفيين المستقلين قد يجدون أنفسهم أمام ضغوط أو تهديدات مباشرة أو غير مباشرة بسبب إصرارهم على نقل الوقائع كما يرونهاأو طرح أسئلة لا يرغب البعض في سماعها وأتحدث هنا أيضاً من واقع ما نعيشه نحن كناشطين وإعلاميين مستقلين إذ إن نقل الحقيقة كما هي دون تزيين أو مجاملة أو انحياز للأشخاص قد يجعل صاحبه عرضة لمحاولات الضغط أو الترهيب أو إسكات صوته وهذا أمر يجب التعامل معه بمنتهى الجدية فلا يمكن أن نبني إعلاماً مهنياً إذا كان الصحفي يخشى من السؤال ولا يمكن أن نطالب بالحقيقة ثم نضيق على من يبحث عنها ولا يمكن أن ننتقد الفوضى الإلكترونيةثم نترك الصحفي المستقل أو الناشط الذي يوثق الوقائع وحيداً أمام حملات التشهير والتهديد والضغط حماية الصحفي والإعلامي المستقل لا تعني منحه حصانة من النقد أو المساءلةبل تعني ضمان حقه في العمل والنشر والسؤال ضمن القانون من دون ترهيب أو تهديد كما تعني في الوقت نفسه التزامه بأخلاقيات المهنة والدقة والتحقق وعدم التشهير وسوريا في مرحلة ما بعد التحرير تحتاج إلى هذا النوع من الإعلام أكثر من أي وقت مضى نحتاج إلى إعلام يساعد على بناء الدولة لا إلى إعلام يجمل كل شيء وإلى صحافة تكشف الخطأ كي يصحح لا كي تستثمر فيه وإلى مؤسسات إعلامية تفهم أن حماية الدولة لا تعني إخفاء الحقيقةوأن نقد الخطأ لا يعني استهداف الدولة بل على العكس تماماًالدولة القوية هي التي تستطيع سماع النقد والمؤسسة الواثقة هي التي تستطيع الاعتراف بالخطأ والمسؤول الذي يحترم الناس هو الذي يجيب عن أسئلتهم ولا يتركهم يبحثون عن الإجابة في صفحات مجهولة ومن خلال متابعتي للمشهد السوري بعد التحرير أرى أن إحدى أهم المعارك التي يجب الانتباه إليها اليوم هي معركة المعلومة ومن يملك المعلومة الصحيحة في الوقت المناسب يستطيع أن يمنع شائعة ومن يشرح للناس بوضوح يستطيع أن يحد من الفتنة والطائفية وسوء الفهم ومن يفتح الباب أمام الصحافة المهنية يستطيع أن يغلق عشرات الأبواب أمام التضليل أما أن تتأخر المعلومة الرسمية ثم نلوم الناس لأنهم صدقوا ما وصل إليهم أولاً فهذه معالجة للنتيجة وترك للسبب نحن بحاجة إلى إعلام رسمي أكثر حضوراً وسرعة وشفافية وإلى إعلام مستقل أكثر مهنية ومسؤولية وإلى صحفيين لا يخافون من السؤال ولا يبيعون مهنتهم لحساب شخص أو جهة ونحتاج في الوقت نفسه إلى بيئة تحمي الصحفي والناشط والإعلامي من أي تهديد أو ضغط بسبب عمله المهني المشروع لأن إسكات الأصوات المستقلة لا يصنع استقراراً بل يوسع مساحة الشائعة ويقوي المنصات غير الموثوقة نحتاج إلى إعلام يحترم عقل السوريين ويتحقق قبل أن ينشر ويسأل قبل أن يتهم ويصحح عندما يخطئ ويضع الحقيقة فوق الأشخاص والمصالح وسوريا التي تحاول اليوم بناء مرحلة جديدة لا تحتاج إلى إعلام يصفق لها بقدر ما تحتاج إلى إعلام يحرس الحقيقة فيها فالإعلام المهني ليس خصماً للدولة بل أحد أهم خطوط الدفاع عن الحقيقة والثقة العامة والحقيقة لا تحتاج إلى جيوش إلكترونية تدافع عنهابل إلى مؤسسات تعرف كيف تصل بها إلى الناس في الوقت المناسب وإلى صحفيين يحملون أمانة الكلمة قبل أي اعتبار آخر وإلى ضمانات تحمي حقهم في أداء دورهم دون خوف أو ترهيب لأن بناء الدولة يبدأ من بناء الثقة وبناء الثقة يبدأ من الحقيقة وحين تكون الحقيقة حاضرة تتراجع الشائعةوحين يكون الإعلام المهني حاضراً وآمناً ومستقلاً في أداء رسالته تنحسر مساحة الذباب الإلكتروني والفوضى

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى