التحقيقات والوثائقيات

الصحافة التركية تحت ضغط قانون التضليل: ملاحقات قضائية تثير مخاوف على حرية الإعلام

يتواصل الجدل في تركيا بشأن قانون مكافحة التضليل الإعلامي، مع تصاعد الانتقادات لاستخدامه في ملاحقة صحفيين بسبب تقارير ومنشورات تتناول قضايا الشأن العام. وبين تأكيد السلطات ضرورة مواجهة الأخبار الكاذبة، وتحذيرات المنظمات المعنية بحرية الصحافة من اتساع دائرة التجريم، تتزايد التساؤلات بشأن تأثير التشريع على استقلال الإعلام وحق الجمهور في المعرفة

يتواصل الجدل في تركيا بشأن قانون مكافحة التضليل الإعلامي، مع تصاعد الانتقادات لاستخدامه في ملاحقة صحفيين بسبب تقارير ومنشورات تتناول قضايا الشأن العام. وبين تأكيد السلطات ضرورة مواجهة الأخبار الكاذبة، وتحذيرات المنظمات المعنية بحرية الصحافة من اتساع دائرة التجريم، تتزايد التساؤلات بشأن تأثير التشريع على استقلال الإعلام وحق الجمهور في المعرفة.

وفي هذا التقرير، يسلّط الاتحاد الدولي للإعلاميين والصحفيين UMJI الضوء على أبعاد القضية، استنادًا إلى المعلومات والرصد المنسوبين إلى لجنة حماية الصحفيين والمصادر الواردة في المادة الأصلية، لعرض أبرز الانتقادات الموجهة إلى القانون والمبررات الرسمية لتطبيقه.

ملاحقات تتجاوز حدود مكافحة الأخبار الكاذبة

ترى لجنة حماية الصحفيين أن المادة 217/أ من قانون العقوبات التركي تحوّلت إلى وسيلة لملاحقة العمل الصحفي، وطالبت بإلغائها والإفراج عن الصحفيين المسجونين بموجبها.

وبحسب تقييم أوزغور أوغريت، ممثل اللجنة في تركيا، فإن الصياغة الفضفاضة للتشريع تتيح توسيع نطاق الملاحقات لتشمل نشر معلومات لا ترغب السلطات في تداولها. ويضع أوغريت هذا القانون ضمن سياق أوسع من استخدام تشريعات مكافحة الإرهاب وغيرها من النصوص الجنائية ضد الصحفيين.

ويشير هذا النمط إلى ما يُعرف بـ«الحرب القانونية»، حين تصبح الإجراءات القضائية أداة للضغط على الصحافة وإرهاق العاملين فيها، من خلال التحقيقات والاحتجاز والمحاكمات المتكررة

وفقًا للرصد الوارد في المادة الأصلية والمنسوب إلى لجنة حماية الصحفيين، سُجّلت حتى 4 سبتمبر 2026 ست عشرة واقعة احتجاز أو اعتقال بتهمة نشر معلومات مضللة، شملت أربعة عشر صحفيًا، تعرّض اثنان منهم للإجراء نفسه مرتين. وظل صحفيان رهن السجن حتى منتصف سبتمبر.

كما نُقل عن منصة صحافة البيانات المستقلة «Veriler Ne Diyor» تقدير نشرته في أبريل، أفاد بأن ما لا يقل عن 83 صحفيًا واجهوا اتهامات بالتضليل في 114 مناسبة منذ دخول القانون حيز التنفيذ في 18 أكتوبر 2022.

وتُظهر هذه المعطيات أهمية التمييز بين عدد الصحفيين المستهدفين وعدد الإجراءات المتخذة بحقهم، إذ قد يتعرض الصحفي الواحد لملاحقات متعددة.

ما الذي تنص عليه المادة 217/أ؟

تتناول المادة نشر معلومات كاذبة تتصل بالأمن الداخلي أو الخارجي، أو النظام العام، أو الصحة العامة. ووفق النص المعروض، يرتبط التجريم بأن يكون النشر بطريقة من شأنها الإخلال بالسلم العام، وبقصد إثارة القلق أو الخوف أو الذعر بين الجمهور.

وتتراوح العقوبة الأساسية بين السجن سنة وثلاث سنوات، مع إمكان زيادتها بمقدار النصف في حالات تتعلق بإخفاء الهوية أو ارتكاب الفعل في إطار نشاط تنظيمي إجرامي، بحسب الصياغة القانونية وشروط انطباقها.

ولا ينحصر الضغط القانوني على الصحفيين في هذه المادة؛ إذ تشمل التشريعات الأخرى المستخدمة في ملاحقتهم نصوصًا تتعلق بالتحريض على العداء والكراهية، وإهانة الرئيس، وإهانة الأمة التركية، إلى جانب مواد من قانون مكافحة الإرهاب.

التحقيق والمحاكمة عبء على العمل الصحفي

تطال الملاحقات مواد منشورة في مقالات ومقاطع فيديو وحسابات على منصات التواصل الاجتماعي. ويقول منتقدو القانون إن بعض هذه المواد يندرج ضمن التغطية المعتادة لأداء الحكومة والقضايا العامة، بينما تتعامل السلطات معها باعتبارها معلومات كاذبة أو مهددة للسلم العام.

وبحسب لجنة حماية الصحفيين، لم يُظهر رصدها أن التقارير محل الملاحقة تسببت في إثارة الخوف أو الذعر لدى الجمهور.

وتختلف مسارات القضايا بين الإفراج السريع واستمرار الحبس الاحتياطي لأشهر. كما أن إطلاق سراح الصحفي لا يعني بالضرورة انتهاء الملاحقة، فقد يبقى في انتظار بدء المحاكمة أو صدور الحكم أو الفصل في الطعون.

ويمتد أثر هذه الإجراءات إلى الحياة المهنية والشخصية للصحفي، حتى عندما تُحفظ القضية أو تنتهي بالبراءة. فطول الانتظار وعدم وضوح المصير القانوني قد يعطّلان العمل ويزيدان الضغوط النفسية، فضلًا عن تشجيع الرقابة الذاتية لدى آخرين يتخوفون من مواجهة ظروف مماثلة.

عدد المسجونين لا يروي الصورة كاملة

تشير الأرقام الواردة في المادة الأصلية إلى انخفاض عدد الصحفيين المسجونين من 84 في عام 2016 إلى 14 في سبتمبر 2026. غير أن قراءة هذا التراجع بمعزل عن بقية الإجراءات قد تعطي صورة غير مكتملة عن واقع حرية الصحافة.

فالاحتجاز المتكرر، والحبس الاحتياطي، والتحقيقات المستمرة، والمحاكمات الطويلة، قد لا تنعكس جميعها في إحصاء عدد الموجودين داخل السجون في تاريخ محدد.

وتضاف إلى ذلك، وفق الجهات المعنية بحرية الإعلام، ضغوط سياسية ورقابية وتهديدات واعتداءات تزيد صعوبة ممارسة العمل الصحفي باستقلال.

الموقف الرسمي: حماية المجتمع والحقوق الرقمية

في المقابل، دافع حزب العدالة والتنمية الحاكم عن التشريع، معتبرًا أن انتشار المعلومات المضللة يمكن أن يهدد استقرار المجتمع.

وفي خطاب خلال مايو 2022، حذّر الرئيس رجب طيب أردوغان مما وصفه بالفاشية الرقمية، وربطها بإعاقة الوصول إلى أخبار دقيقة ومحايدة. كما انتقد المخاطر الناجمة عن نشاط منصات التواصل الاجتماعي في غياب الضوابط والمسؤولية.

وقدّم واضعو مشروع القانون التعديلات باعتبارها وسيلة لحماية حقوق المواطنين على الإنترنت ومواجهة المحتوى غير القانوني والمعلومات المضللة الصادرة عن حسابات وأسماء مزيفة. واستندوا في دفاعهم إلى مقارنات بتشريعات وتنظيمات في الولايات المتحدة ودول أوروبية.

وبحسب الرواية الواردة في المادة الأصلية، أكد هاكان تشاووش أوغلو، رئيس لجنة التحقيق في حقوق الإنسان بالبرلمان آنذاك، خلال اجتماع مع منظمات معنية بحرية الصحافة في 14 أكتوبر 2022، أن القانون سيعزز التعبير القائم على حقائق موثقة، وأن الصحفيين لن يُسجنوا بموجبه.

تحذيرات مبكرة من الغموض واتساع التأويل

منذ مناقشة التشريع، أبدى صحفيون ومحامون وأكاديميون وسياسيون مخاوف من غياب حدود واضحة لتفسير مفهوم المعلومات الكاذبة، ومن احتمال التعامل مع الروايات المخالفة للموقف الرسمي باعتبارها تضليلًا.

كما حذرت منظمات معنية بحرية الصحافة من أن تطبيق القانون في بيئة قضائية تصفها بأنها خاضعة للتأثير السياسي قد يعرّض الصحفيين ومستخدمي الإنترنت للعقوبات الجنائية، ويعمّق الرقابة الذاتية.

وتبرز هنا مسألة جوهرية تتعلق بكيفية التمييز بين التضليل المتعمّد، والخطأ المهني القابل للتصحيح، ونشر معلومات موثقة تختلف السلطات مع مضمونها

تورد المادة الأصلية قضية إسماعيل آري، مراسل صحيفة «بيرغون»، ضمن الأمثلة على تطبيق القانون. فقد أمضى، وفق المعلومات الواردة فيها، نحو شهرين ونصف في الحبس الاحتياطي خلال عام 2026، للاشتباه في نشر معلومات مضللة، قبل الإفراج عنه مطلع يونيو مع استمرار انتظار نتيجة المحاكمة.

وتوضح هذه الحالة كيف يمكن أن يتأثر عمل الصحفي وحريته لفترة ممتدة قبل صدور حكم نهائي في الاتهامات المنسوبة إليه.

ويبقى الجدل حول القانون مرتبطًا بمدى وضوح نصوصه وضمانات تطبيقه، وقدرة الصحفيين على تغطية القضايا العامة دون الخشية من أن تتحول التغطية إلى مسار طويل من التحقيق والاحتجاز. فمواجهة المعلومات الكاذبة تظل مسؤولية عامة، يقابلها ضرورة حماية حرية التعبير وحق المجتمع في الوصول إلى المعلومات ومساءلة المؤسسات.

إعداد وصياغة وإصدار حصري: الاتحاد الدولي للإعلاميين والصحفيين UMJI.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى